في قلب الصراعات التي تعصف بالشرق الأوسط، لا تقف الحروب
عند حدود العقائد أو النزاعات السياسية الظاهرة، بل تنحدر إلى طبقة أعمق تتعلق بالسيطرة على الجغرافيا الحاكمة لحركة العالم: الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية. من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى شرق المتوسط، تتحول الجغرافيا إلى سلاح، والبحر إلى ساحة اشتباك غير معلنة، تُرسم فوقها تحالفات، وتُفكك دول، وتُستولد كيانات جديدة تحت عناوين الهويات والانفصال، بينما الدافع الحقيقي هو الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
تشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث غربية مرموقة، مثل «تشاتام هاوس» و«مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي، إلى أن أكثر من 60% من تجارة الطاقة العالمية تمر عبر مضائق لا يتجاوز عرض بعضها عشرات الكيلومترات. أي خلل أمني فيها كفيل بإرباك الأسواق، ورفع أسعار النفط، وابتزاز الاقتصادات الكبرى. من هنا، تصبح السيطرة غير المباشرة على هذه النقاط الحساسة هدفاً استراتيجياً دائماً للقوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل.
إسرائيل، التي تعاني تاريخياً من ضيق جغرافي وعزلة إقليمية، طورت منذ عقود عقيدة أمنية تقوم على كسر الطوق العربي، والتحول من دولة محاصرة إلى لاعب محوري في شبكات النقل والطاقة والتجارة. تقارير صادرة عن «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب تؤكد أن تل أبيب ترى في تفكك الدول المركزية المحيطة بها فرصة استراتيجية لا تهديداً. الكيانات الضعيفة أو الانفصالية، بحسب هذا المنطق، أقل قدرة على خوض الحروب النظامية، وأكثر قابلية للاختراق السياسي والاقتصادي، ويمكن توظيفها كحزام أمني غير معلن أو كممرات بديلة للتجارة والطاقة.
من هنا، لا يمكن فصل الدعم الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر لبعض الحركات الانفصالية أو الكيانات الهشة في المنطقة عن هذا السياق. فالدراسات الإسرائيلية نفسها تتحدث عن «شرق أوسط جديد» قائم على وحدات إثنية ومذهبية متناحرة، بدل دول قوية متماسكة. هذا التفكك يسمح بإعادة رسم خرائط النفوذ حول الممرات الحيوية، سواء في البحر الأحمر، حيث يتقاطع أمن باب المندب مع أمن إيلات، أو في شرق المتوسط، حيث الغاز والموانئ وخطوط الأنابيب تشكل محور صراع مفتوح.
الحروب في هذا الإطار لا تُشن دائماً بالجيوش. جزء كبير منها يُدار بالوكالة، كما تُظهر تقارير «معهد ستوكهولم لأبحاث السلام» التي توثق تصاعد الحروب غير المباشرة منذ 2011. دول كبرى تموّل، تسلّح، وتدير الصراعات من الخلف، بينما تتقدم ميليشيات محلية أو فصائل عابرة للحدود إلى الواجهة. الهدف ليس الانتصار السريع، بل إنهاك الدول، تدمير بناها التحتية، واستنزاف مجتمعاتها، إلى أن تصبح عاجزة عن حماية سيادتها أو التحكم بممراتها البرية والبحرية.
في هذا المشهد، تتخذ التحالفات طابعاً مصلحياً متحركاً. دول كانت متخاصمة تجد نفسها في خندق واحد، ليس حباً ببعضها، بل خوفاً على مصالحها في الطاقة أو التجارة أو الأمن. تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الدول التي تقع على خطوط عبور الطاقة أو قرب المضائق تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، وتُدفع غالباً إلى تسويات قسرية أو تحالفات غير متوازنة.
لبنان، في قلب هذا الزلزال الجيوسياسي، ليس حالة معزولة. موقعه على شرق المتوسط، وقربه من فلسطين المحتلة، وتداخل ملفاته مع صراعات الغاز والحدود البحرية، يجعله جزءاً من لعبة أكبر منه بكثير. أبحاث منشورة في دوريات استراتيجية غربية تؤكد أن إضعاف الدول الهشة على شواطئ المتوسط يخدم مشاريع إعادة توزيع النفوذ في الطاقة، ويمنح اللاعبين الأقوى هامش مناورة أوسع. لذلك، يصبح الانهيار الاقتصادي، والانقسام السياسي، وتآكل مؤسسات الدولة، عناصر وظيفية في الصراع، لا مجرد نتائج عرضية له.
أما الدول العربية، فهي تتراوح بين منخرطة مباشرة في هذه الحروب، أو ممولة لها، أو واقعة تحت وطأتها. بعضها يدخل الصراع دفاعاً عن ممراته وموانئه، وبعضها الآخر يُستدرج بحسابات أمنية أو وعود حماية، فيما تتحول دول ثالثة إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات. الحرب بالوكالة هنا ليست خياراً أخلاقياً، بل أداة منخفضة الكلفة نسبياً، مقارنة بحرب مباشرة قد تشعل مواجهة عالمية.
السؤال الأخطر، الذي تطرحه تقارير استشرافية صادرة عن مراكز دراسات مستقبلية، هو: هل نحن أمام مرحلة انتقالية أم أمام فوضى دائمة؟ بعض الدراسات ترى أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي تمر حكماً عبر هذا المخاض العنيف، وأن الاستقرار لن يأتي قبل تثبيت توازنات جديدة حول الممرات والمضائق. دراسات أخرى أكثر تشاؤماً تحذر من أن استمرار تفكك الدول سيحوّل المنطقة إلى بؤرة صراعات مزمنة، تُدار من الخارج، بلا أفق سياسي حقيقي.
ومع ذلك، لا يغيب الأمل تماماً. الخروج من فوهة البركان إلى شط الأمان، بحسب خبراء في العلاقات الدولية، يبدأ باستعادة الدولة الوطنية لدورها، وبناء اقتصاد منتج يقلل الارتهان للممرات الخاضعة للصراع، وتعزيز التعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة لا الاصطفافات القسرية. السلام هنا ليس شعاراً رومانسياً، بل نتيجة توازن قوة عادل، يعترف بحق الدول في السيادة، ويُخضع الممرات الحيوية لقواعد دولية واضحة لا لابتزاز السلاح.
الطريق طويل، ومحفوف بالانفجارات، لكن التاريخ، كما تشير دراسات مقارنة عن مناطق نزاع سابقة، يثبت أن الجغرافيا مهما اشتعلت، تبقى قابلة للترويض، حين تدرك الشعوب قبل الأنظمة أن الصراع على الممرات لا يجب أن يتحول إلى مقبرة للأوطان.

عن احتلال إسرائيل للبنان.. ماذا كشف تقريرٌ جديد؟
نشر موقع “theconversation” تقريراً جديداً قال فيه إن التدخل الإسرائيلي في لبنان قد يؤدي إلى تكرار أخطاء التاريخ وإلى تقويض لحظة تاريخية للحوار. التقرير يقولُ







