هم ليسوا غرباء…

حين تكسر العاصفة غصنًا من شجرة الوطن، فعارٌ على غصن آخر التباهي بسلامته. فكما أنّ الشجرة واحدة، فلبنان وعلى الرّغم من كل التباينات والانقسامات يبقى جذعًا واحدًا، تتوزّع عليه جراح الأغصان، لأنّه يُدرك أنّ العواصف بطبيعتها متمردة لا تُميّز بين غصن وآخر. فإذا نزف طرفٌ منه تألّمت الأطراف جمعاء. ولا يقيسنّ أحدٌ الوجع بحساب سياسي ضيّق، ذلك لأنّ القلب الإنسانيّ لا يأخذ هذه الحسابات بعين الاعتبار.

فها هم إخوتنا الذين تركوا جزءًا منهم في بيوتهم التي تركوها قهرًا وقسرًا، يحملون أطفالهم كما يحمل الغصن ثمرته. هجروها حاملين ذكرياتهم على أكتافهم. خرجوا من بيوتٍ كانت بالأمس ملأى بالفرح والخبز الساخن وألعاب الأطفال. فإذا بها فجأةً تتحوّل إلى ظلالٍ مهجورة يتآكلها ضبابُ الدخان. خرجوا حاملين صور شهدائهم، ودواء أمّهاتهم، ومفاتيح بيوتٍ لا يعرفون متى يعودون إليها.
إنهم يدفعون ثمن قراراتٍ ليست من صنع أيديهم. فالإنسان يجب أن يُحتضَن على ثرى الإنسانيّة لا على أرض المعركة السياسية. فهم يدفعون ثمن قراراتٍ لم يتّخذوها، ليسوا أصحابها، ولا حتّى شركاء فيها. إنّهم، ببساطة، بشرٌ وقعوا تحت مطرٍ لم يختاروا غيمته.
ومن هنا، لا يجوز أن نستقبلهم كغرباء في مناطقنا. وحدها القلوب لا تعرف حدودًا جغرافيّة.. قلوبنا بيت واحد تتعدّد غرفه، فإذا ضاق المكان، تُفتَح أبواب الغرف كلّها.
فالجنوب غرفةٌ فيه، والضاحية غرفة، وكسروان وجبيل والمتن وعكّار و….غرفٌ أخرى. وإذا ضاق المكان في غرفةٍ ما، فمن الطبيعيّ أن تُفتح الأبواب بين الغرف، لأن البيت واحد.
ثم إننا، كمسيحيين، لا نقف هنا فقط عند حدود الوطنية، بل عند عمق الرسالة. فالمسيح لم يقل يومًا: أحبّوا من يشبهكم، بل قال: «كنتُ غريبًا فآويتموني». وفي كلّ طفلٍ خائفٍ يصل إلى بابنا، يقف المسيح نفسه يسألنا: هل ما زالت بيوتكم تعرف معنى الرحمة؟
خذوا مسيحيّتكم وأعطوني مسيحكم.. أيّها المسيحيّون فليكن بعلمكم أنّ المحبة ليست شعارًا نعلّقه على الجدران، بل خبزًا نكسره مع الجائع، وسقفًا نمدّه فوق رأس الخائف. والمغفرة ليست ضعفًا، بل قوة القلب الذي يرفض أن يتحوّل إلى حجر. لذلك، حين نساعدهم، فنحن لا نساعد “آخرين”، بل نمدّ أيدينا إلى إخوةٍ لنا في الإنسانية أولًا، وفي الوطن ثانيًا، وفي الإيمان بقيم المسيح ثالثًا.
لبنان قصيدة كتبتها الدموع والجراح والإيمان، هو أكبر من رسالة وأوسع من مدى جغرافيّ. فلا تحوّلوه إلى ساحة صراع داخلي، بل اجعلوه بيتًا للإنسان. لأن الأوطان لا تُبنى بالأحقاد.. وحدها المحبة تبني. فالنّفوس الكبيرة والقلوب المُسلّحة بالحبّ والإيمان ترفض التّقسيم.
فلنفتحْ قلوبنا..ولنشرّع أبوابنا…
لأن القلب اللبنانيّ يعرف الطريق إلى أخيه، أخيه في الوطنيّة والإنسانية.. ولنمدّ أيدينا جسورًا تبني لا تهدم.
التسامح ليس ضعفًا، هو القوة بعينها. والمحبة تطهّر قلوبنا من الأحقاد.
يهربون من النار.. استقبلوهم بالماء والورود.. فالتّاريخ سيذكر يومًا، أنّ اللبنانيّين تعالَوا على أحقادهم وانقساماتهم، على الرّغم من جراحهم، متى اشتعلت أطراف الوطن.. أضيئوا قلوبَكم.

هم ليسوا غرباء… .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...