هل ينجح مجلس النواب في خنق إعلام لبنان؟

ليس مقبولاً أن يعجز العثماني والاحتلال السوري وسطوة السلاح عن خنق الصحافة ثم يأتي مشرع لبناني ليضع حول عنقها حبلاً باسم “التحديث”

هذا المسار يصطدم بروح المادة 13 من الدستور اللبناني التي تنص على أن “حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون”. وصحيح أن الحرية تمارس ضمن دائرة القانون، لكن وظيفة القانون هي ضمانها وتنظيم ممارستها، لا تفريغها من مضمونها. ولا يجوز استخدام عبارة “ضمن دائرة القانون” ذريعة لكي يرسم المشرّع دائرة تضيق حتى تصبح بحجم زنزانة.

لم يكُن الإعلام في لبنان مجرد مهنة، ولا الصحافة مجرد حبر على ورق، ولا حرية التعبير ترفاً من ترف الحياة السياسية. الإعلام اللبناني كان، ولا يزال، جزءاً من هوية هذا البلد وشرطاً من شروط وجوده. فحين ضاقت مساحات الحرية في المنطقة، بقي لبنان نافذة مفتوحة.

لهذا، فإن قانون الإعلام ليس قانوناً قطاعياً ينظم علاقة المؤسسات بموظفيها أو يحدد شروط الترخيص والبث، بل هو قانون يمس جوهر النظام اللبناني وطبيعة الدولة وصورة لبنان ودوره، وأي خطأ فيه لا يصيب الصحافيين وحدهم، بل يصيب حق كل لبناني في أن يتكلم ويعترض وينتقد السلطة من دون أن يتحول إلى متهم أو سجين رأي.

“ساحة الشهداء” في قلب بيروت ليست مجرد معلم جغرافي أو ساحة للاحتفالات، إنها شاهد تاريخي على أن معركة لبنان مع القمع بدأت منذ أكثر من قرن، يوم أعدم جمال باشا في السادس من مايو (أيار) عام 1916 نخبة من الصحافيين والمثقفين والناشطين في محاولة لإعدام الكلمة قبل أصحابها. أراد الاحتلال العثماني إخضاع الرأي العام، فقتل حملة الأقلام، لكنه لم ينجح في قتل الفكرة. وبقيت الساحة وبقيت ذاكرة الشهداء وسقط السلطان وجلادوه.

ثم جاء احتلال نظام الأسد للبنان، فاستولى على القرار السياسي والأمني وأخضع المؤسسات واعتقل المعارضين ولاحق الصحافيين وأقفل مؤسسات وفرض الرقابة المباشرة وغير المباشرة. ومع ذلك، لم يتمكن من إلغاء الكلمة اللبنانية، فظلت أصوات تكتب من داخل الخوف، وأخرى تصرخ من خارجه، إلى أن خرج الجيش السوري وبقيت الصحافة.

وبعد الوصاية السورية، قامت هيمنة “حزب الله” ومنظومته الأمنية والسياسية، فنشأت سلطة مشتركة بين الحزب وأجهزة ومؤسسات رسمية، استُخدمت فيها الاستدعاءات والتحقيقات والمحاكمات وحملات التخوين والتهديد والترهيب الإلكتروني لإسكات المعارضين. اغتيل صحافيون ومفكرون وهُدد آخرون وغادر كثر لبنان، لكن الصوت الحر لم يمُت.

وخلال مراحل الاحتلال والوصاية والهيمنة، أمكن إخضاع السلطة التنفيذية وتعطيل السلطة التشريعية والتدخل في السلطة القضائية ووضع اليد على القرار الأمني، لكن بقيت سلطة عصية على التدجين الكامل، السلطة الرابعة. بقي الإعلام آخر مساحة لبنانية تقول للمحتل إنه محتل وللفاسد إنه فاسد وللمسلح إن سلاحه غير شرعي وللسلطة إن الشعب ليس ملكاً لها.

واليوم، في اللحظة التي يفترض أن يستعيد فيها لبنان دولته وأن يبدأ الانتقال من زمن الوصاية والسلاح والفوضى إلى زمن السيادة والقانون، يأتي قانون الإعلام الجديد ليطرح سؤالاً خطراً، هل نخرج حقاً من مرحلة القمع، أم نحاول تشريع أدواته وتحديثها؟

لا خلاف على ضرورة تحديث التشريع الإعلامي، فالقطاع تغير جذرياً، والإعلام الإلكتروني أصبح أساسياً، ومنصات التواصل نقلت حق التعبير من المؤسسات إلى كل مواطن. لكن تحديث القانون لا يعني تحديث وسائل الرقابة، ولا نقل المقص من مكتب الرقيب إلى نصوص القانون، ولا استبدال الاستدعاء الأمني بعقوبة تشريعية جاهزة.

والقانون العصري يُخرج الصحافي من السجن، ولا يضع الزنزانة خلف مكتبه. ويحمي مصادره، ولا يجبره على الكشف عنها. ويصون استقلال مؤسسته، ولا يضع فوقها هيئة بصلاحيات مطاطة قابلة للتوسع. ويضمن حق الرد والتصحيح ضمن أصول واضحة، لكنه لا يحول كل نقد قاسٍ أو رأي “جارح” إلى ملف جزائي. ويفتح أبواب الاستثمار في القطاع مع حماية السيادة التحريرية، بدلاً من إبقاء المؤسسات الإعلامية رهينة الأزمات المالية والتمويل السياسي.

المادة 104، بما تتيحه من عقوبات يمكن أن تصل إلى الحبس ثلاثة أعوام تحت عبارات من نوع “اختلاق الأضاليل” أو “نشر الأخبار الكاذبة”، لا تحمي الحقيقة بقدر ما تضع تعريفها في يد السلطة. فمن يقرر أن خبراً ما كاذب؟ ومن يحدد الفاصل بين الخطأ المهني والجريمة الجزائية؟ ومن يضمن ألا تتحول هذه المادة إلى سيف فوق رأس كل صحافي يفتح ملف فساد أو يلاحق فضيحة أمنية أو يكشف عن وثيقة محرجة؟

والحقيقة لا يحميها السجن، بل يحميها الحق في الرد والتصحيح واستقلال القضاء والمعايير المهنية وشفافية المعلومات. أما النصوص الفضفاضة، فتمنح السلطة قدرة على الانتقام من الصحافي بعد أن تعجز عن الرد عليه.

والأخطر أن مفاعيل هذا القانون لا تقف عند أبواب الصحف والتلفزيونات والمواقع الإخبارية، بل تمتد إلى كل مواطن يكتب رأياً أو ينشر موقفاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا لا نكون أمام قانون لتنظيم الإعلام، بل أمام مشروع لتجريم المجتمع. وكل هاتف يصبح مطبعة وكل حساب منصة إعلامية وكل مواطن مشروع متهم. وبذلك، تتحول حرية الرأي من حق دستوري إلى مغامرة قضائية، ويتحول اللبنانيون إلى “مجرمي رأي” بقوة القانون.

هذا المسار يصطدم بروح المادة 13 من الدستور اللبناني التي تنص على أن “حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون”. وصحيح أن الحرية تمارس ضمن دائرة القانون، لكن وظيفة القانون هي ضمانها وتنظيم ممارستها، لا تفريغها من مضمونها، فلا يجوز استخدام عبارة “ضمن دائرة القانون” ذريعة لكي يرسم المشرّع دائرة تضيق حتى تصبح بحجم زنزانة.

أما الهيئة الوطنية للإعلام، فالاعتراض لا يستهدف مبدأ وجود هيئة مستقلة، بل يسأل عن استقلالها الفعلي وآلية تعيين أعضائها وحجم صلاحياتها وحدود رقابتها، والضمانات التي تمنع تحولها من جهة تنظيمية إلى وصي سياسي وإداري على المؤسسات. في لبنان، لا تكفي تسمية أية هيئة “مستقلة” كي تصبح مستقلة. الاستقلال يُقاس بطريقة التعيين وبالحصانات وبمن يملك قرار المحاسبة والعزل وبمدى قدرة السياسيين على التحكم بها.

ويطرح القانون كذلك مشكلة المساواة بين المؤسسات التقليدية والمواقع الإلكترونية والعاملين في الفضاء الرقمي. فلا يمكن إنشاء طبقات من الإعلاميين، بعضها يتمتع بالحماية وبعضها الآخر يواجه العقوبة، ولا فرض قواعد مختلفة على ممارسات متشابهة. كذلك، لا يجوز الحديث عن تطوير القطاع من دون وضع آليات جدية لجذب الاستثمار وحماية الملكية والشفافية، مع إبقاء القرار التحريري مستقلاً عن الممولين والسلطة والأحزاب.

المعيب أيضاً ليس في بعض المواد وحدها، بل في طريقة الإقرار، إذ لا يجوز طلب ملاحظات المؤسسات والنقابات الإعلامية في اللحظات الأخيرة، ثم التصويت قبل مناقشتها بجدية، وبعد ذلك تصوير اعتراض أصحاب المهنة وكأنه شيطنة للقانون أو رفض لتنظيم القطاع. التشريع ليس مباراة يريد فيها مجلس النواب تسجيل هدف في مرمى نقابتي الصحافة والمحررين والمؤسسات الإعلامية. وما حصل لا يمكن تقديمه كإنجاز تشريعي إذا كان الجسم الإعلامي المعني مباشرة به يشعر بأنه استُبعد أو أن ملاحظاته عوملت كعقبة ينبغي تجاوزها.

بعد إقرار القانون، انتقلت المعركة من داخل مجلس النواب إلى موقع رئاسة الجمهورية. والتعويل اليوم على أن يمارس رئيس الجمهورية صلاحيته الدستورية بردّ القانون إلى مجلس النواب، وفق المادة 57 من الدستور، طالباً إعادة النظر فيه. وردّ القانون ليس مواجهة مع المجلس، ولا انتقاصاً من صلاحياته، بل ممارسة دستورية ومسؤولية وطنية عندما تتصل المسألة بحقوق اللبنانيين وحرياتهم الأساسية.

ورئيس الجمهورية ليس أمام تفصيل تقني، بل أمام امتحان سياسي ودستوري، إما أن يوقع قانوناً ترفضه النقابات والمؤسسات الإعلامية وتثار حوله شبهات جدية بمخالفة الدستور، وإما أن يعيده للمجلس كي يخضع لنقاش حقيقي وتُدرج فيه التعديلات التي يطالب بها أهل المهنة والمدافعون عن الحريات.

والمطلوب حذف كل عقوبة تسلب الحرية في قضايا الرأي والنشر، ووضع تعريفات دقيقة لا تحتمل التأويل السياسي، وتكريس حماية المصادر الصحافية، وضمان استقلال الهيئة الوطنية فعلاً لا اسماً، ومنع إخضاع المواطنين على وسائل التواصل لمنطق العقوبات الإعلامية، وتوحيد القواعد بما يحقق المساواة، وإشراك النقابات والمؤسسات والخبراء في إعادة صياغة النص.

وإذا لم يُردّ القانون، فإن الطعن أمام المجلس الدستوري يصبح واجباً، لا خياراً. فالدفاع عن حرية الإعلام ليس دفاعاً عن امتياز لفئة مهنية، بل عن حق المجتمع كله في معرفة ما تفعله السلطة باسمه وماله ومستقبله.

إن السلطة التي تخاف من ة ليست قوية، والسلطة التي تجرّم التغريدة ليست دولة، والمجلس الذي يشرع السجن للرأي لا يحمي المجتمع، بل يحمي نفسه من المجتمع.

من شهداء السادس من أيار (مايو) عام 1916 إلى ضحايا الاغتيالات والاستدعاءات والمحاكمات الحديثة، دفع لبنان ثمناً دموياً كي يبقى بلداً للكلمة الحرة. وليس مقبولاً أن يعجز العثماني والاحتلال السوري وسطوة السلاح عن خنق الصحافة، ثم يأتي مشرّع لبناني ليضع حول عنقها حبلاً باسم “التحديث”.

فليُردّ القانون إلى مجلس النواب لأن لبنان الذي يسجن فيه الصحافي ويلاحق فيه المواطن بسبب رأيه ويُكشف فيه عن المصادر وتمنح فيه هيئات غامضة سلطة الوصاية على الكلمة، لن يبقى لبنان الذي عرفه العالم.

هذا ليس قانون إعلام جديداً. بهذه الصيغة، إنه محاولة قديمة لإسكات لبنان، كُتبت هذه المرة بحبر تشريعي.

هل ينجح مجلس النواب في خنق إعلام لبنان؟ .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...