نجاح مؤتمر باريس متوقّف على “القدرة السيادية” للحكومة

لا يُستبعد أن يتضمّن التقرير الشهري، الذي سيعرضه قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام مجلس الوزراء اليوم، بعضًا من بصمات زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأميركية. وسيكون لهذا التقرير، على حدّ ما يُقال، وقع خاص بالنسبة إلى المرحلة الثانية من الخطة العسكرية التي تشمل منطقة واسعة شمال الليطاني، وما يرتبط بهذا الواقع من توقعات ما سينتج عن مؤتمر دعم الجيش المقرر في 5 آذار المقبل في باريس، والذي يسبقه اجتماع تمهيدي في 24 الشهر الجاري في القاهرة، يحضره ممثلون لفرنسا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر ومنظمات دولية وإقليمية، بهدف التحضير للأرضية الملائمة لمؤتمر باريس، وتنسيق مواقف مختلف الأطراف، والاطلاع من كثب على حاجات الجيش وتطوير آليات الدعم المالية والعسكرية الخاصة به.

وفي انتظار اكتمال ملف التحضيرات لمؤتمر باريس فإن عددًا من الدول المؤثرة إيجابًا في نجاحه يراقب بدقة ما يحصل على الساحة اللبنانية المطالبة بأمور كثيرة، ومن أهمّها بالطبع مدى التزام الحكومة بما سبق أن تعهدت به في 5 آب الماضي لجهة “حصرية السلاح” بيد القوى الشرعية وحدها.

من هنا فإن ما سيقرره مجلس الوزراء في جلسة اليوم استنادًا إلى تقرير قائد الجيش بالنسبة إلى هذا الملف الشائك شمال الليطاني سيكون له صدى في باريس. وبطبيعة الحال لن تكتفي الدول المعنية بما يمكن أن يُتخذ من قرارات حكومية، بل ستراقب عن كثب كيفية تنفيذ هذه القرارات على الأرض، خصوصًا أن لدى بعض هذه الدول معطيات أكيدة عمّا “يُطبخ” بين السراي الحكومي و”حارة حريك”. وهذا الأمر ستكون له تداعيات سياسية، وقد تؤثّر على نتائج مؤتمر باريس.

وفي الكواليس الديبلوماسية، لم يعد خافيًا على أحد أن المجتمعين العربي والدولي باتا يتعاملان مع هذا الاستحقاق بوصفه اختبارًا فعليًا لصدقية الدولة اللبنانية، لا مجرد محطة تقنية لدعم مؤسسة عسكرية. فالدعم المالي والعسكري، مهما كان حجمه، لن يُضخّ في فراغ سياسي أو في بيئة ملتبسة من حيث السيادة بمفهومها الأممي. لذلك تُربط أي تعهدات مرتقبة في مؤتمر باريس بسلة شروط غير معلنة بالكامل، تحت عنوان عريض، وهو تثبيت مرجعية الدولة الواحدة والسلاح الواحد، بغض النظر عن “التناغم” المستتر أحيانا، والمكشوف أحيانًا أخرى، بين رئيس الحكومة نواف سلام و”الثنائي الشيعي”.

وتدرك أوساط متابعة أن حساسية المرحلة لا تتعلق فقط بالانتشار الفعلي للجيش شمال الليطاني، بل بما يمثله هذا الانتشار من انتقال تدريجي من منطق إدارة التوازنات إلى منطق فرض الوقائع الشرعية. وهذا التحول، إن حصل، سيضع الحكومة أمام امتحان داخلي قاسٍ، لأن أي خطوة تنفيذية ستُقرأ فورًا من زاوية الاشتباك السياسي مع ” حزب الله”، لا من زاوية استعادة الدولة لدورها الطبيعي. إلا أن النهج الذي يعتمده رئيس الحكومة منذ أن عوّم “الثنائي الشيعي” حكومته وحال دون سقوطها في تجربة الموازنة العامة لا يوحي بأن ما ستشهده الأيام المقبلة، وفي ضوء ما يمكن أن يُتخذ من قرارات حكومية في جلسة اليوم، بعد تقرير قائد الجيش.

لهذا السبب تحديدًا، تبدو جلسة مجلس الوزراء اليوم أكثر من جلسة إجرائية. إنها جلسة رسم اتجاه. فإما تثبيت مسار واضح يحظى بمظلة عربية ودولية تترجم في مؤتمر باريس، وإما العودة إلى سياسة تدوير الزوايا، بما قد يفرغ المؤتمر من مضمونه ويحوّله إلى منصة دعم رمزي لا أكثر. وفي عالم السياسة، الرمزية لا تبني جيوشًا ولا تحمي دولًا.

فالأنظار إذاً متجهة ليس فقط على ما سيقوله قائد الجيش في تقريره الشهري، بل على ما سيجرؤ مجلس الوزراء على ترجمته قرارًا، ثم ما إذا كانت السلطة مستعدة لتحمّل كلفة التنفيذ، أيًّا تكن الصعوبات والمعوقات وبعض الالتزامات من تحت طاولة مجلس الوزراء. فلبنان يقف مرة جديدة عند مفترق دقيق. إما الاستفادة من لحظة اهتمام دولي نادرة لإعادة تثبيت قواعد الدولة، وإما إضاعة الفرصة في حسابات الداخل الضيقة. وفي مثل هذه اللحظات، فإن التاريخ لا يرحم لا المترددين ولا حتى المستفيدين من بعض الظروف، التي يُعتقد، عن سوء تقدير، أنها ستكون ملائمة لوضعية سياسية عابرة.

نجاح مؤتمر باريس متوقّف على “القدرة السيادية” للحكومة .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...