عادت تداعيات القرارات الضريبية إلى صدارة المشهد الداخلي مع تصاعد الانتقادات للحكومة، فيما سارع رئيسها نواف سلام إلى تبريرها مالياً عشية الاستحقاق الانتخابي.تزامناً، شهدت الجبهة الميدانية تصعيداً إسرائيلياً دامياً امتد من عين الحلوة إلى البقاع، مخلفاً حصيلة ثقيلة من الضحايا.
عادت تداعيات القرارات الضريبية التي تقررت في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء في مطلع الأسبوع الحالي إلى صدارة المشهد الداخلي، رغم تزاحم الأولويات الأمنية والسياسية الأخرى، في حين تصاعدت المخاوف حيال تصعيد إسرائيلي لافت على نحو غير متوقع أوقع حصيلة صادمة من الضحايا. ذلك أنّ مسارعة رئيس الحكومة نواف سلام إلى عقد مؤتمر صحافي مساء أمس الجمعة، للرد على مجموع ما أثارته القرارات الحكومية الضريبية بعد أربعة أيام فقط من اتخاذها، عكست تحسسه لحراجة موقع الحكومة حيال تعاظم الانتقادات التي وُجّهت وتُوجَّه إليها. وتالياً، دفع سلام بسرعة بالتبريرات والدفوع في وجه الانتقادات أمام الرأي العام، من خلفية تلويحه تكراراً إلى طغيان الشعبوية على الانتقادات عشية موسم الانتخابات النيابية. وفي انتظار رصد الانطباعات وردود الفعل السياسية والاقتصادية، وكذلك ردود القطاعات المعنية على كلام رئيس الحكومة، بدا واضحاً أنّ الحكومة لا تخشى تفاقماً واسعاً لتداعيات الزيادات على سعر البنزين والضريبة على القيمة المضافة، ما دام سلام ردّ بمنطق رفض أي مسّ بالأسلاك الأمنية والعسكرية والمتقاعدين والموظفين، كما بمنطق رفض التسبب بأي تدهور مالي جديد للدولة، بما أملى تحصيل الأموال المطلوبة لزيادة الرواتب عبر القرارات التي اتُّخذت كوسيلة عملية لتوفير نحو 800 مليون دولار للرواتب وعدم تعريض مالية الدولة لأي خسائر جديدة وخطيرة.
وفنّد سلام موقفه قائلاً: “الصراحة مع الناس ليست خياراً إنّما واجب علينا، والوضع المالي الذي ورثناه صعب جداً، والأهم أنّ الثقة بين الدولة والناس تأثّرت سابقاً وهذا الأمر لن يتكرّر”. وذكر أنّه: “عند تشكيل الحكومة اتخذنا قراراً بألا نقوم بأي إنفاق قبل تأمين مصادر تمويل له كي لا تقع الدولة بدوامة عجز ودين، وكي لا نعود إلى طباعة الليرة وانهيار سعر الصرف”. وقال: “عندما اخترنا زيادة الضريبة على القيمة المضافة، أخذنا بالاعتبار أن الضريبة ستستثني المواد الغذائية الأساسية والأدوية والنفقات الطبية والاستشفائية، وأقساط الجامعات والمدارس والكتب والمازوت والغاز المنزلي وإيجار البيوت السكنية وسلعاً أساسية أخرى، مما يخفف من وطأتها على الفئات الشعبية”.
وأشار إلى “أننا نعلم أن هناك خللاً في النظام الضريبي، وهو نتيجة عقود من الخيارات المالية انعكست سلباً على ذوي الدخل المحدود، ونعمل على وضع سياسة مالية شاملة أساسها إصلاح النظام الضريبي وترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة الدين”. وقال: “كان لا بد من تأمين 800 مليون دولار إضافية للخزينة فوراً، لقاء زيادة رواتب القطاع العام”.
ولفت إلى أنّه “لمكافحة محاولات بعض التجار والمحتكرين استغلال الموضوع لرفع الأسعار، باشر مفتشو حماية المستهلك التابعون لوزارة الاقتصاد تكثيف جولاتهم على السوبرماركت والأفران، وسنحيل جميع المخالفين إلى القضاء”.
وأوضح أنّ “مبادرة “سوا بالصيام”، بالتعاون مع 28 سوبرماركت موزعين على 180 نقطة، تهدف إلى خفض أسعار 21 سلعة غذائية أساسية بنسبة تتراوح بين 15% و20%”.
وأشار إلى أنّ “هناك 7169 موظفاً في الإدارة العامة فقط، ولا يمكن تخفيف العدد”، مضيفاً أنّه “لا يمكن تخفيف أعداد العسكريين، بل يجب زيادتها في ظل المهام المطلوبة، لا سيما بعد انسحاب اليونيفيل”.
وشدد على “أننا عملنا ونعمل على تحسين الجباية الضريبية، وزدنا إيرادات الدولة بنسبة 54% خلال عام، والجباية ستزيد أكثر مع تفعيل السكانيرز”.
وأوضح سلام “أننا حققنا زيادة بنسبة 54% في إيرادات الدولة من 3.89 مليار دولار عام 2024 إلى 6 مليارات دولار عام 2025، وليس بفرض ضرائب جديدة، بل من خلال تحصيل أفضل للضرائب الحالية وتحسين الجباية وضبط الحدود والمرافئ”.
في الجانب الآخر من المشهد السياسي، برز أول رد فوري على مزايدات فريق حركة أمل لحشر الحكومة في موضوع ترشيح المغتربين، إذ رفضت وزارة الداخلية ترشيح عباس عبد اللطيف فواز، وهو الرئيس السابق للجامعة الثقافية في العالم ومرشّح حركة أمل عن المقعد الشيعي للدائرة 16 في الاغتراب. وبررت الرفض بالأصول القانونية التي تقول: “لا يمكن لأي شخص أن يترشّح ما لم يكن باب الترشيح مفتوحاً رسمياً (للخارج)، مع تحديد المهل القانونية والمستندات المطلوبة بوضوح، وإجراءات فتح الحسابات في الخارج وتعيين مدقق مالي لبناني أو أجنبي، وبيان ما إذا كان تقديم طلبات الترشيح يتم عبر وزارة الداخلية والبلديات أو عبر السفارات في الخارج، إضافة إلى تحديد المقعد المعني وأي قارة يُخصّص لها”.
وفي التحركات ذات الخلفية الانتخابية، اجتمع أمس رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد على رأس وفد من نواب الكتلة. وبعد اللقاء أعلن رعد: “كان اللقاء فرصة للتداول في الشؤون المحلية والإقليمية، وكانت وجهات النظر متطابقة تماماً كما هي العادة، وتوافقنا على أن يكون الثنائي الوطني هو المنصة التي تؤسس لوحدة وطنية لمواجهة كل التحديات، ولمواجهة كل المخاطر التي ينبغي أن يواجهها لبنان حين يُستهدف في سيادته وفي أمنه واستقراره”. ورداً على سؤال حول الانتخابات النيابية، قال: “كان موقفنا متطابقاً تماماً، وسنخوض هذا الاستحقاق معاً في أي اتجاه كان”.
إلى ذلك، وفي إطار مشاركته أمس في مؤتمر بعنوان “المواطَنة وسيادة الدولة وآفاق المستقبل”، طرح الرئيس نواف سلام ضمن “الأفكار” المطروحة “الانتقال إلى العمل بنظام المجلسين المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، بما يحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ ويحرر مجلس النواب من القيد الطائفي لتأمين المشاركة الوطنية أو بالأحرى “المواطَنية”، لافتاً إلى وجود اقتراحات قوانين في هذا الشأن لم تنل الاهتمام الكافي. كما دعا إلى العودة إلى المادة 95 وتطبيقها “بالكامل دون اجتزاء أو تشويه”.
في المقابل، لفت رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى “أنّ جماعة الممانعة والتيار الوطني الحر يحاولون إغراق الآخرين معهم، وما حصل أخيراً في جلسة مجلس الوزراء خير دليل”. ورداً على سؤال حول عدم استقالة وزراء القوات اللبنانية، قال: “أذكّر الجميع أنّ الحكومة الحالية هي الأولى منذ 40 عاماً التي تتخذ قرار نزع السلاح غير الشرعي وقرارات 5 و7 آب، كما أنّها الوحيدة التي، ومنذ انطلاقتها، لا تشوبها شائبة فساد”. لكنه لم ينكر في الوقت نفسه رفض القوات اللبنانية خطوة الزيادة على صفيحة البنزين والـTVA، ولكن لا يمكن التعامل مع هكذا مواقف على قاعدة “كرمال عين تكرم مرجعيون”. ورأى أنّ “محور الممانعة والتيار الوطني الحر لا يريدان أن تستمر هذه الحكومة”. وقال: “نحن نستقيل عند وجود مبرر للاستقالة، أي عندما تصبح سيئات هذه الحكومة أكثر من حسناتها. كل عمل بدأ به وزراء القوات ولم يصلوا إلى نتيجة في مجلس الوزراء سنستتبعه في مجلس النواب. حسناً فعلت هذه الحكومة عندما ربطت كل هذا الأمر بنتيجة المناقشات في المجلس النيابي وما سيصدر عنه من قرار بشأن زيادة الـ1% TVA”.
وكان جعجع أعلن تسمية مرشحي حزب القوات عن المقعدين المارونيين في قضاء بشري للانتخابات النيابية 2026، وهما النائبة ستريدا طوق جعجع والنائب السابق جوزيف إسحق، “إيذاناً بالانطلاق الرسمي للمعركة الانتخابية في القضاء”.
على الصعيد الميداني، سُجّل تطور لافت مع تصعيد إسرائيلي واسع امتد من مخيم عين الحلوة في صيدا إلى البقاع الأوسط والشمالي وأوقع عدداً كبيراً من الضحايا. وقد استهدف الجيش الإسرائيلي مركزاً لحركة حماس في قلب مخيم عين الحلوة، حيث سقط قتيلان في غارة هما حسين نمر وبلال الخطيب. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأنّ “الهجوم على عين الحلوة جنوب لبنان نفذته سفن حربية”.
وعلّقت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية: “هاجم جيش الدفاع الإسرائيلي مقراً كانت تنشط منه عناصر تابعة لمنظمة حماس الإرهابية في منطقة عين الحلوة جنوب لبنان”. وأضافت: “المقر الذي استهدفناه في عين الحلوة استخدم للإعداد لعمليات إرهابية ضد قواتنا في لبنان”.
بدوره، نشر أفيخاي أدرعي عبر منصة “إكس” أنّ “جيش الدفاع هاجم إرهابيين من حماس الإرهابية عملوا من مقر في منطقة عين الحلوة بجنوب لبنان. وقد استخدم المقر الذي تم استهدافه خلال الفترة الأخيرة من قبل مخربي حماس للاستعداد لتنفيذ عمليات إرهابية ضد قوات جيش الدفاع داخل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك تدريبات هدفت إلى دفع بمخططات إرهابية مختلفة ضد قوات جيش الدفاع ودولة إسرائيل”.
ولاحقاً، استهدفت ست غارات إسرائيلية مرتفعات الشعرة قرب بلدة النبي شيت ورياق وتمنين وعلي النهري.
وأفادت المعلومات أنّ إحدى الغارات استهدفت مبنى خلف القرض الحسن على أوتوستراد رياق – بعلبك، أدت إلى تدمير المبنى بالكامل، وسقط فيه قتيلان و11 جريحاً كحصيلة غير نهائية، إذ استمرت أعمال البحث بين الركام ليلاً. ولاحقاً أفيد عن ارتفاع الحصيلة إلى 10 ضحايا و24 جريحاً بينهم نساء وأطفال. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنّه أغار في منطقة بعلبك على مقرات تابعة لحزب الله كانت تستخدم لدفع مخططات إرهابية ضد قوات جيش الدفاع ودولة إسرائيل.
وتحدث إعلام إسرائيلي عن القضاء على أبرز قيادي في صفوف الحرس الثوري الإيراني في البقاع اللبناني، لكن المعلومات التي تأكدت لاحقاً كشفت أنّ المستهدف الأساسي الذي قُتل كان القيادي في حزب الله حسين ياغي في بلدة علي النهري، وهو نجل النائب السابق أبو سليم ياغي، كما قُتل أيضاً مسؤول في الحرس الثوري الإيراني.
مجزرة في عملية اغتيال إسرائيلية في البقاع.. التداعيات الضريبية تتفاقم وسلام يفند الردود مجددا .










