سؤال بات على شفة ولسان كل صغير وكل كبير: لماذا لم ترد قيادة “حزب الله” على كل الاعتداءات التي طالت بيئتها منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ولماذا لم تردّ على اغتيال أمينيها العامين السابقين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، بينما كان الرد سريعًا ومباشرًا بعد مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي؟
ما سمعه اللبنانيون من الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عن توقيت ردّ “المقاومة الإسلامية” على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار لم يقنعهم. فالقاصي والداني، والكبير و”المقمط” بالسرير يعرفون السبب الحقيقي، الذي دفع “الحزب” إلى جرّ لبنان مر ّة جديدة إلى حرب ليست كباقي الحروب. وقد يكون مشهد أهالي الضاحية الجنوبية لبيروت، وهم يغادرونها بعد ما تلقوا تهديدًا من افيخاي أدرعي، شاهد على مأساة ما يعانيه اللبنانيون، وبالأخصّ البيئة الحاضنة لـ “المقاومة الإسلامية”، وما يمكن أن يعانونه في الأيام المقبلة، خصوصًا أن لا بوادر حل تلوح في أفق الحرب المفتوحة.
لا شكّ في أن هذه المقاربة الانتقائية للشيخ نعيم قاسم تكشف عن حسابات خاصة تعود إلى تقديرات ظرفية لـ “حارة حريك”، وإلى توازنات إقليمية معقدة، تجعل من كل رد فعل عسكري رسالة سياسية أكثر من كونه مجرد رد انتقامي فوري.
ووفق قراءة بعض الأوساط السياسية في بيروت، فإن “حزب الله” يتصرف دائمًا وفق قاعدة أساسية، وهي أن الرد لا يكون تلقائيًا على كل استفزاز، بل يُحسب له توقيته، وحجمه، وأهدافه بدقة. فالرد على مقتل المرشد الأعلى لإيران، وهو الشخصية الرمزية والمركزية والمحورية في المحور الإقليمي، لم يكن مجرد رد على حادث محدد، بل تأكيد من قِبل “حزب الله” على الالتزام العميق بتحالفه الاستراتيجي مع المرجعية الروحية والسياسية في إيران، وبالتالي رفع سقف الرسائل الموجهة إلى العواصم الإقليمية والدولية. مع كل صاروخ ينطلق من الجنوب، بغض النظر عن مدى تأثير مفاعيله الحربية في موازين القوى القائمة حاليًا في المنطقة، يتأكد للبنانيين مدى ارتباط “حزب الله” بالنظام الإيراني، خصوصًا بعدما انكشف في شكل لا يقبل أي تأويل مدى تأثير “الحرس الثوري الإيراني على مجريات العمليات العسكرية، التي تقوم بها “المقاومة الإسلامية” ضد أهداف إسرائيلية.
أما مبرر عدم الردّ على الاعتداءات اليومية أو المتكررة التي كانت تتعرّض لها مناطق البيئة الحاضنة لـ “الحزب” على مدى شهور، فهو ساقط من حيث الوقائع، إذ أن “حارة حريك” كانت تعتبر أن هذا الأمر يتطلب موازنة دقيقة بين مصلحة الرد، وخطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل أو مع الدولة اللبنانية نفسها، لا سيما أن الوضع الداخلي هش والضغوط الاقتصادية والسياسية مكثفة. وهنا يظهر التمييز الواضح بين الرد الرمزي والسياسي، والرد الاستراتيجي الذي يُحسب له حسابات الأرض والإقليم والدولة. وهذا المنطق بالنسبة إلى بيئة “الحزب” قبل الآخرين مرفوض شكلًا ومضمونًا، وقد سقط مع سقوط السيد خامنئي.
باختصار، يبدو أن قيادة “حزب الله” تريد من خلال توريط لبنان بحرب لا نهاية لها، إرسال رسائل مزدوجة: الأول، داخليًا، بهدف الحفاظ على مكانتها الرمزية وتأكيدًا لولائها المطلق لمحورها الإقليمي؛ والثاني، خارجيًا، والهدف منه ارسال إنذار محسوب بأن أي مساس بمحورها الاستراتيجي سيكون له ثمن لا يمكن تجاهله، من دون إجراء أي تقييم لما سيكون لهذا الردّ من أثمان باهظة نتيجة إدخال لبنان مرّة جديدة في حرب لا طاقة له عليها. وهكذا، يتضح أن خطاب القوة عند “الحزب” لا يتوزع بشكل متساوٍ، بل يُدار وفق حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة، تجعل من كل رد فعل رسالة مركّبة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
فهذه الانتقائية في الردود تركت آثارًا واضحة على المشهد الداخلي، الذي يتسم بتوازنات دقيقة بين مختلف القوى السياسية والطائفية، وقد جد نفسه أمام معادلة جديدة. فهناك من يرى في صمت “الحزب” أمام ما كان يتعرّض له من اعتداءات يومية حرصًا منه على الاستقرار الداخلي، فيما يعتبره آخرون تخاذلًا أو ضعفًا في الدفاع عن البيئة الحاضنة له.
إلا أن هذا السلوك المفاجئ لـ “حزب الله” بعد اغتيال خامنئي دفع القوى السياسية، سواء من الموالين أو المعارضين له، إلى إعادة قراءة أوراقها. فمن جهة، هناك من يؤيد في المبدأ انخراط “الحزب” مباشرة في الحرب قد وجد أن أي خطوة غير محسوبة قد تعيد لبنان إلى أتون مواجهة واسعة لا طاقة له بها؛ ومن جهة أخرى، أولئك الذين يريدون استثمار الخلافات الداخلية يرون في هذا السلوك فرصة للضغط السياسي والمجتمعي، خصوصًا مع تزايد التساؤلات حول جدوى اتفاق وقف إطلاق النار وفاعليته على الأرض.
مبرّرات نعيم قاسم للردّ على الاعتداءات الإسرائيلية ساقطة .









