لم يعد النقاش في لبنان يدور حول تنفيذ القرارات الحكومية في جلستي 5 و7 آب الماضي بقدر ما بات يدور حول تفسير مفرداتها. وهذا الأمر يُعتبر بحد ذاته مؤشرًا خطيرًا على أن الأزمة لم تعد فقط أزمة سلاح أو سيادة، بل أزمة إرادة سياسية تُترجم في لعبة لغوية دقيقة. فهل نحن أمام “حصرية” كما وردت في القرارات الحكومية أم أننا أمام تعبير جديد هو “احتواء” السلاح، وهذا ما أدرجه رئيس الحكومة نواف سلام في قاموسه السياسي خلافًا لشبه الاجماع الوطني؟
في الاعتقاد أن الانطباع العام في البلاد هو أن رئيس الحكومة يخوض سباقًا مبكرًا نحو مرحلة ما بعد انتخابات أيار، اللهم إذا جرت في موعدها. فخطواته المتلاحقة في اتجاه ما يُشبه الدخول إلى “بيت الطاعة” لا تُقرأ على أنها إدارة أزمة وطنية بقدر ما تُقرأ كمحاولة لضمان إعادة تكليفه، وفق حسابات لا تمت بأي صلة بما سبق أن تقرّر على المستوى السيادي واستعادة الدولة زمام الأمور. من هنا جاء استبدال تعبير “حصرية السلاح” بعبارة “احتواء السلاح شمال الليطاني” كتحوّل سياسي مقصود. ومن المتعارف عليه أنه في السياسة لا توجد مصادفات لغوية، بل إشارات مشفّرة توجّه عادة إلى موازين القوى الداخلية والخارجية لأغراض لم تعد خافية على أحد، لا في الداخل ولا في الخارج.
فقرارات الحكومة في 5 و7 آب كانت، في لحظتها، محاولة لرسم خط سيادي واضح، باعتبار أن الدولة هي وحدها صاحبة القرار الأمني. لكن ما جرى لاحقًا هو عملية تفريغ تدريجية لهذه القرارات من مضمونها عبر إعادة تعريف المصطلحات. فـ “حزب الله”، الذي انزعج من مفردات مثل “تنظيف” و”حصر”، سارع إلى إعادة ضبط الخطاب، وعمّم على مسؤوليه استخدام كلمة “احتواء” بدل “حصرية”. والفرق بين الكلمتين ليس تجميليًا، بل جوهري. فـ “الحصر” يعني نهاية الازدواجية، أما “الاحتواء” فيعني إدارة متقنة للازدواجية.
غير أن هذه المعركة بمضمونها السياسي واللغوي ليست لبنانية فحسب، بل هي قائمة على وقع التحوّلات الإقليمية الكبرى، وبالأخصّ على وقع المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وإعادة رسم توازنات النفوذ في المنطقة، ومحاولة دولية لتبريد الجبهات من غزة إلى جنوب لبنان. وفي هذا السياق، يصبح ملف سلاح “حزب الله” جزءًا من محور إقليمي أوسع، لا مجرد بند حكومي داخلي.
فالدول الغربية، وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، لا تضغط اليوم في اتجاه نزع فوري للسلاح بقدر ما تضغط نحو “إدارة المخاطر”. وهذا التعبير الديبلوماسي يقترب كثيرًا من مفهوم “الاحتواء”. بمعنى آخر، ما يُسوَّق داخليًا كمخرج لغوي قد يكون انعكاسًا لمقاربة دولية ترى أن الاستقرار المرحلي أولى من الصدام الكبير، لكن المشكلة هنا هي أن منطق إدارة الأزمة يختلف جذريًا عن منطق بناء الدول، وأن ما تراه هذه الدول مناسبًا أكثر للبنان يسعى فريق رئيس الحكومة إلى ضبط إيقاعه على أوتار من النشاز السياسي بهدف “العودة الميمونة” إلى السراي.
وفي اعتقاد أكثر من محلل سياسي أن الدولة التي تقبل بـ “الاحتواء” بدلًا من “الحصر يعني بصريح العبارة أنها تدخل عمليًا في نموذج الدول الرمادية بين اللاحرب واللا سلم، وبين لا سيادة كاملة ولا انهيار كامل. وهذا النموذج يناسب القوى الإقليمية التي تريد ساحة لبنانية مضبوطة الإيقاع، لكنه لا يناسب مشروع دولة طبيعية قادرة على جذب الاستثمار وإعادة بناء مؤسساتها.
المفارقة السياسية هنا هي أن الحكومة نجت في امتحان الموازنة بفضل “حزب الله” نفسه الذي يعترض على مضمون قراراتها، ويعتبره خطيئة يجب العودة عنها. وهذا يكشف أن التوازن القائم ليس توازن مبادئ، بل توازن مصالح. فـ “الحزب” يمنح الحكومة الأوكسجين البرلماني، والحكومة تمنحه الأوكسجين السياسي عبر تخفيف حدّة خطابها السيادي، فيما المجتمع الدولي يراقب ويفضّل الاستقرار الهش على الانفجار الكبير.
السؤال الحقيقي إذًا لم يعد ما الفرق بين “الحصر” و”الاحتواء”؟ بل هو: هل لبنان جزء من مشروع دولة مكتملة السيادة، أم جزء من تسوية إقليمية طويلة الأمد تُدار فيها الأزمات بدلًا من حلّها؟
وبين هذين الخيارين يتحدد مصير قرارات 5 و7 آب. إما أن تبقى نصوصًا سيادية مؤجلة التنفيذ في انتظار لحظة إقليمية مؤاتية، وإمّا أن تتحول إلى عنوان لمرحلة انتقالية طويلة يُعاد فيها تعريف الدولة نفسها: دولة تحت الاختبار أو دولة تحت الاحتواء.
ماذا بقي من قرارات 5 و7 آب؟ .








