عام 1985، لم تكن جزين مجرّد مدينة جنوبية تواجه عواصف الحرب، بل كانت آخر ما تبقّى من حضور مسيحي متماسك في عمق الجنوب، بعد موجات التهجير التي طاولت قرى شرق صيدا ومنطقتها. يومها، لم يكن الجيش اللبناني بصورته الحالية موجودًا كقوة موحّدة، بل كانت البلاد موزّعة بين خطوط تماس وقوى أمر واقع، فيما كانت جزين تقف عند خط النار الفاصل بين مشاريع متناقضة تتصارع على الأرض والهوية.
في تلك المرحلة، تحوّلت المدينة إلى ملجأ لآلاف النازحين، وإلى عنوان إنساني استقطب اهتمام الفاتيكان مباشرة. فبعد الأحداث الدامية التي شهدها الجنوب، أوفد الكرسي الرسولي ممثليه إلى المنطقة، وصولا إلى الزيارات البابوية التي أرادت التأكيد أن جزين ليست وحدها.
ويستعيد أبناء المدينة اليوم تلك المرحلة، لا سيما مع ما حملته من مبادرات هدفت إلى تحييد المنطقة وإبعادها عن أتون الصراعات، تحت شعارات رفعت آنذاك أولوية حماية جزين وأهلها ومنع تحويلها إلى ساحة حرب جديدة، فكانت “جزين أولا”، التي أطلقها السفير سيمون كرم.
ولم تكن تلك السنوات خالية من المآسي، فقد سبق أن شهدت المنطقة أحداثًا دامية طاولت رجال دين ورهبانًا، كما بقيت الأديرة والكنائس شاهدة على مرحلة محفورة في الذاكرة الجماعية للجزينيين. وفي دير مار أنطونيوس في جزين، لا تزال مخطوطات ووثائق محفوظة تسجل جانبًا من تلك الحقبات القاسية التي عاشتها المدينة.
وبالعودة إلى الثمانينيات، حيث تولّى الموفد البابوي المونسينيور سيليستينو بوهيغاز مهمة مواكبة الجهود الرامية إلى منع سقوط المنطقة، تحوّلت جزين إلى محطة أساسية في التحرك الفاتيكاني الذي سعى إلى جمع القيادات حول مشروع حماية الأرض ومنع تهجير ما تبقى من المسيحيين في الجنوب.
وكان قد سبق للموفد البابوي الكاردينال روجيه اتشيغاراي أن زار الجنوب أكثر من مرة، وأقام في جزين لعدة أيام، حيث جال في مختلف القرى حاملا الرسالة الداعية إلى حماية التنوّع الجنوبي.
وبين رسائل اتشيغاراي الدبلوماسية، ومهمّة بوهيغاز الميدانية في زمن الخطر المباشر، يظهر بوضوح أن الفاتيكان لم يتعامل مع المدينة بوصفها تفصيلا محليًا، بل باعتبارها ركنًا من أركان الحضور المسيحي التاريخي.
اليوم، وبعد أربعة عقود تقريبًا على تلك الأحداث، تعود الهواجس نفسها لتُطرح، وإن بأشكال مختلفة، من كفرحونة إلى العيشية، ومن مرتفعات الريحان إلى تخوم جزين، حيث يرفض أبناء المنطقة أن تتحول أرضهم مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية نتيجة عنجهية “حزب الله” واستباحته أراضي تعود إلى أبناء البلدات وإلى الرهبانية المارونية.
وسبق لنائبة القضاء غادة أيوب أن دقّت ناقوس الخطر في أيار الماضي، وقالت: “منذ أكثر من أربع سنوات، طالبت، علنًا وبشكل متكرر، الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية والعسكرية المختصة بالتدخل الفوري لإعادة الأراضي المصادرة في منطقة كفرحونة وبركة جبور وغيرها إلى أصحابها الشرعيين، بعدما جرى الاستيلاء عليها وتحويلها إلى مواقع عسكرية مغلقة يُمنع المالكون من دخولها أو استثمارها، في انتهاك صارخ للدستور اللبناني، ولحق الملكية الفردية المصان بالقانون، ولأبسط مقومات سيادة الدولة”.
ولفتت إلى أن “الوقائع التي نحذر منها ليست سرًا ولا افتراء سياسيًا، بل أصبحت موضع تقارير إعلامية وتحقيقات منشورة منذ سنوات، تناولت بشكل واضح استخدام مناطق في جزين وبركة جبور لأغراض عسكرية مرتبطة بالطائرات المسيّرة والبنى اللوجستية التابعة لـ “حزب الله”، وما يستتبع ذلك من مخاطر جسيمة على المدنيين والأهالي. وقد جاءت الصور والتقارير التي ظهرت إلى العلن مؤخرًا لتؤكد صحة التحذيرات التي أطلقناها منذ سنوات حول واقع تحويل هذه المناطق إلى منصات عسكرية خارجة عن سلطة الدولة”.
هذه الوقائع تستدعي عاجلا تحرير هذه المناطق من سيطرة “حزب الله” وتغلغله داخلها، لعدم تكرار ما نشهده في صور أو النبطية أو الجنوب اللبناني بالمجمل.
وفي استعادة مرحلة التهجير والخوف التي عاشها آباء وأجداد أبناء المنطقة، يرفض الكثير منهم مقاربة تجربة “جيش لبنان الجنوبي” من زاوية الشعارات التي رافقتها لاحقًا. فبالنسبة إلى قسم كبير منهم، نشأت تلك التجربة في زمن كان حضور الدولة فيه شبه معدوم، فيما كانت القرى الحدودية تواجه تحديات وجودية. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن العديد من الشبان الذين التحقوا بصفوفه فعلوا ذلك انطلاقًا من قناعة بأنهم يدافعون عن بلداتهم، أكثر مما كانوا يخوضون معركة أيديولوجية. وقد دفع كثيرون منهم أثمانًا باهظة، سواء خلال سنوات المواجهة أو بعد انتهاء الحرب وسقوط الشريط الحدودي عام 2000. إلا أن أبناء المنطقة الذين يستعيدون تلك الحقبة لا يفعلون ذلك من باب الدعوة إلى استعادة تجارب الماضي، بل من باب التأكيد أن الدرس الذي أنتجته تلك السنوات يتمثل بضرورة وجود دولة قوية.
وفي هذا السياق، اعتبر الأستاذ المحاضر في التاريخ والعلوم السياسية والكاتب السياسي الدكتور لويس حنينة أن “المقارنة بين واقع جزين اليوم وما عاشته المنطقة عام 1985 ليست في محلها”، مؤكدًا أن “الظروف السياسية والأمنية والعسكرية التي دفعت أبناء المنطقة إلى تولّي مسؤوليات أمنية استثنائية في تلك المرحلة لم تعد قائمة”.
وقال حنينة: “أستبعد بشكل قاطع تكرار السيناريو، لأن الأسباب والظروف التي فرضت يومها على أبناء المنطقة تولّي مسؤولية حماية بلداتهم وقراهم لم تعد موجودة. الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية حاضرة بصورة لم تكن متوافرة في تلك المرحلة”.
ولفت إلى أن “الجيش اللبناني يشكل اليوم الضمانة الأساسية لأمن المنطقة واستقرارها، وهو الجهة الوحيدة المخوّلة حماية جزين، خلافًا لما كانت عليه الأوضاع”.
وأشار حنينة إلى أنه “عندما نتحدث عن جزين، فإننا نتحدث عن منطقة لها خصوصيتها الجغرافية والتاريخية والديموغرافية داخل الجنوب، لكنها لم تعد تعيش الظروف نفسها التي كانت سائدة قبل أربعة عقود”، معتبرًا أن “الحديث عن إعادة إنتاج المشهد الذي عاشته المنطقة عام 1985 يتجاهل التحولات العميقة التي شهدها لبنان على مستوى المؤسسات العسكرية”.
وأكد أن “أبناء جزين يتمسكون اليوم بالدولة اللبنانية وبالجيش اللبناني كمرجعية وحيدة لحماية المنطقة”.
على خطّ متصل، تحدّث مصدر دبلوماسي معني بالملف عبر “نداء الوطن” عن مبادرة “جزين أولا”، مؤكدًا أن “السفير كرم هو من أطلق هذه المبادرة في أواخر التسعينيات من منزل النائب جان عزيز”.
واعتبر أن “النقطة الأساسية في موضوع المنطقة التجريبية تكمن في وضع حد للنكبة الحاصلة في الجنوب، من خلال وقف التدمير الممنهج وإطلاق النار، عبر دخول الجيش اللبناني إلى المناطق، وعودة السكان، ومباشرة العمل”.
أضاف أن “ثمة تقاربًا من حيث المبدأ بين مبادرة جزين أولا وما يتم البحث فيه اليوم، لكن الظروف مختلفة تمامًا بين الأمس واليوم”.
وذكرت المصادر أن “خروج جيش لحد من جزين عام 1999 أثار غضب سوريا و “حزب الله” والدولة اللبنانية آنذاك على حدّ سواء، إذ رفضت الدولة إدخال الجيش اللبناني إلى جزين لمدة عام، وبقيت تطوّق المدينة حتى عام 2000، مع التحرير وخروج الإسرائيلي من كل الجنوب، لكن جزين كانت بوابة التحرير”.
وختم المصدر: “إن تنفيذ المناطق التجريبية سيُعيد الجيش اللبناني إلى تمركزه السابق، بهدف الإمساك بالمنطقة، كما كان الوضع قبل إدخال حزب الله لبنان في حرب الإسناد، من خلال إطلاق الصواريخ من الجنوب”.
بدوره، استعاد الخبير العسكري والمسؤول السابق عن وحدة الارتباط التابعة للجيش اللبناني في منطقة جزين، العميد جوزيف الأسمر، صورة الواقع الذي عاشته المنطقة بين عامي 1985 و2000، مؤكدًا أن قضاء جزين كان خلال تلك المرحلة شبه محاصر.
وشرح الأسمر عبر “نداء الوطن” أن “المدينة كانت محاطة بسلسلة من خطوط التماس. فمن الجهة الغربية، شكّلت كفرفالوس خط تماس حتى عام 1991 قبل أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية المنطقة، ومن الجهة الشمالية، كانت الطريق باتجاه بيروت تمر عبر باتر، حيث كان الأهالي يحتاجون إلى تصاريح مرور خلال سنوات الحرب، قبل أن يتمركز الجيش اللبناني على المعبر بعد حلّ الميليشيات وتوحيد السلطة العسكرية الشرعية. أما جنوبًا، فكان التواصل مع الخارج يتم عبر طريق جزين ـ كفرحونة ـ العيشية ـ مرجعيون وصولا إلى الناقورة، ومنها بحرًا نحو بيروت، فيما كانت الطرق المؤدية شرقًا نحو البقاع مقطوعة في معظم الفترات”.
وأشار إلى أن “التواصل السياسي آنذاك كان يتم عبر لجان محلية وفعاليات سياسية من جزين وصيدا، بالتوازي مع وجود وحدات للجيش اللبناني ومكتب ارتباط تابع لمديرية المخابرات وفصيلة للدرك، إضافة إلى حضور محدود لقوات جيش لبنان الجنوبي ضمن نطاق الشريط الحدودي”.
وردًا على سؤال حول المخاوف المتداولة من احتمال وصول الجيش الإسرائيلي إلى جزين، أكد الأسمر أن “وصول الجيش الإسرائيلي إلى المدينة لا يمكن أن يحصل إلّا في حال اتخاذ قرار استراتيجي مشابه لاجتياح عام 1982″، مشيرًا إلى أن “طبيعة المنطقة مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت في الثمانينيات”.
ولفت إلى أن “المنطقة الممتدة من جسر الخردلي مرورًا بالجرمق والعيشية والريحان وعرمتى وكفرحونة وصولا إلى جزين، تشكّل في أي مواجهة واسعة محتملة مسرحًا عسكريًا حساسًا نظرًا لموقعها”.
أضاف أن “أي محاولة إسرائيلية لفصل الجنوب عن البقاع تستوجب عمليًا السيطرة على مثلث كفرحونة وبعض المرتفعات الاستراتيجية المحيطة به، وهو ما يجعل المنطقة جزءًا من أي حسابات عسكرية محتملة في حال توسعت الحرب”.
وشرح أن “الطبيعة الجغرافية للمرتفعات الممتدة بين كفرحونة والريحان وجبل طورة والرداد وعلي الطاهر تجعلها منطقة شديدة الوعورة ومليئة بالأحراج والمغاور، ما يمنحها خصائص ميدانية معقدة ويجعلها أكثر ملاءمة لحروب الاستنزاف والقتال غير التقليدي”.
وأشار إلى أن “ما كان يُعرف آنذاك بالحزام الأمني كان يتوقف عمليًا عند مثلث كفرحونة، فيما بقيت جزين خارج نطاق الانتشار الإسرائيلي المباشر باستثناء وجود قوات جيش لحد حصرًا”.
وأكد أن “لبنان كان يعيش آنذاك واقع الانقسامات العسكرية، بينما يتمتع الجيش اللبناني اليوم ببنية موحدة، فضلا عن وجوده الميداني المباشر في المنطقة من خلال مراكزه وثكناته العسكرية في كفرفالوس والصالحية وجزين”.
بدوره، اعتبر عضو تكتل الجمهورية القوية النائب سعيد الأسمر أن “الهواجس التي يعيشها أبناء جزين اليوم ليست وليدة اللحظة، بل نابعة من تجربة مريرة عاشتها المنطقة”.
وقال: “يعيش أبناء جزين حالة من القلق المشروع نتيجة التطورات العسكرية المتسارعة في الجنوب، لا سيما أن المنطقة اختبرت سابقًا واقع الحزام الأمني وما رافقه من ظروف أمنية صعبة”.
وأشار الأسمر إلى أن “الرهان يبقى على دور الدولة والمساعي الدبلوماسية لوقف التصعيد”، كاشفًا عن اتصالات ومتابعات مستمرة مع مختلف الجهات المعنية، سواء على المستوى اللبناني أو الدولي أو الكنسي أو الفاتيكاني، بهدف تحييد المنطقة وتجنيبها أي تداعيات أمنية محتملة.
وختم قائلا: “أبناء جزين باقون في قراهم مهما اشتدت الظروف، وإذا فُرضت عليهم أي تحديات استثنائية، فإنهم سيواجهون ذلك”.
أما خادم رعية جزين المارونية المونسينيور إلياس الحلو، فاستعاد الدور الذي لعبه الفاتيكان في مواكبة أوضاع المنطقة، مشيرًا إلى أن “العلاقة بين جزين والكرسي الرسولي لم تكن يومًا علاقة ظرفية”.
وأوضح الحلو أن “أول زيارة للكاردينال اتشيغاراي إلى جزين جرت في نيسان عام 1985، حيث حظي باستقبال شعبي ورسمي حاشد، ورافقه يومها المطران إبراهيم الحلو والمونسينيور حنا الحلو، المترجم الخاص للموفد، إلى جانب شخصيات سياسية وفعاليات روحية واجتماعية من المنطقة، وشملت الزيارة جولات ميدانية على عدد من قرى وبلدات قضاء جزين”.
أضاف أن “الاهتمام الفاتيكاني لم يتوقف عند تلك الزيارة، إذ أوفد الكرسي الرسولي لاحقًا المونسينيور بوهيغاز ليكون ممثلا بابويًا مقيمًا يتابع أوضاع المنطقة بشكل يومي، وقد أمضى 5 إلى 6 سنوات مواكبًا حياة الناس، قبل أن يتولى الراهب العازاري الأب سمعان عطالله متابعة هذه المهمة”.
وأشار إلى أن “المخاوف الحالية لدى الأهالي ترتبط بصورة أساسية بإمكان توسع المواجهات العسكرية أو انتقال تداعياتها إلى المناطق المدنية”.
ولفت إلى أن البطريركية والمؤسسات الكنسية والرهبانيات والجمعيات تتابع أوضاع الأهالي بشكل دائم، كما أن الفاتيكان لا يزال يولي اهتمامًا خاصًا لجزين.
إذًا، بين ذاكرة التهجير في الثمانينيات وهواجس الحاضر، يتمسّك أبناء جزين بمعادلة واحدة: لا عودة إلى زمن الخوف. فجزين، التي تعني “الخزان” بالسريانية، لم تكن يومًا مجرد خزان مياه، بل خزانًا بشريًا حافظ على أرضه وهويته رغم العواصف. وكما وقفت المدينة في وجه المحن السابقة، ستقف اليوم مرة ثانية، على أمل أن تلحقها المنطقة التجريبية التي تحدث عنها الجانب الأميركي، والتي سبق وذكرها الرئيس جوزاف عون في مقابلته الأخيرة، ملمحًا إلى تجربة “جزين أولًا” السابقة من دون أن يسميها، لتكون نموذجًا عن الحياد على حدود النار.
لماذا لا تعلن “منطقة تجريبية”لتجنيبها الأسوأ؟ أعيدوا سيناريو “جزين أولا” .







