خطا تعيين اللواء غسان عليان في منصب مستحدث له في الجيش الإسرائيلي، كمنسق للتواصل مع مجتمعات الدروز في لبنان وسوريا (الشرق الاوسط) تحت القيادة الشمالية، خطوات إجرائية واعتبار ذلك “جزءًا من سياسة إسرائيل لتوسيع نفوذها والتواصل مع الأقليات الدرزية في المنطقة وحمايتها”. وانشغلت بالخطوة طائفة الموحدين الدروز في لبنان وقياداتها ذلك أن التعيين هو الأول من نوعه وبماهية الأهداف الكامنة وراء تلك الخطوة.
ويتجاوز إعطاء عليان دورًا إستراتيجيًا تقريريًا وتنفيذيًا في آن، المهام العسكرية التي كان يشغلها على نحو تقليدي ويقوم على إدارة أحد الملفات المهمة التي تحوز على اهتمام السياسات الدولية الجارية على مستوى المنطقة، وكضابط اتصال مع السكان الدروز في كل من سوريا ولبنان. ومن شأن وقوع الاختيار على هكذا شخصية عسكرية تولت مهامّ عسكرية، فتح المجال واسعًا على مآلات ونتائج الدور الذي يمكن أن يلعبه في لبنان، ما يشكل مصدرًا للقلق لدى المعارضين للخطوة، وأولهم الحزب “التقدمي الاشتراكي” ورئيسه السابق وليد جنبلاط.
منذ 13 تموز الماضي، تاريخ حصول المجازر والإبادات الجماعية في محافظة السويداء، والطائفة الدرزية تمر بفترة عسيرة جدًا، نظرًا لحجم تلك الواقعة، التي خسر فيها الدروز الآلاف من الضحايا، واستمرار اعتقال المخطوفين ولا سيما النساء منهم، والتهجير السكاني من 36 بلدة تم إحراق منازلها، وأصحابها ما زالوا يقيمون في مراكز الإيواء، وصولًا إلى غياب الحلول المنتظرة لملف الجنوب السوري، عكس ما حصل للمنطقة الشرقية، وأدّى إلى اتفاق بين الدولة السورية و”قسد”، وفقدان دور الدول العربية، التي لطالما وقفت تاريخيًا مع الدروز ولكنها تخلّت عن دورها تجاههم، إزاء المحنة الوجوديّة التي تواجههم على كافة المستويات، لتبدو المسألة وكأن ثمة من يدفع الدروز قسرًا إلى أحضان إسرائيل!.
والحال، جاء التعيين في وقت حرج ودقيق تمر به المنطقة وضمنها لبنان، ما أثار جملة من الاستفسارات على الصعيد العام للطائفة، رافقه عصف كلامي يطرح السؤال عما إذا كانت الفترة المنظورة استمرارًا للحروب على نحو أكبر، أو للعودة إلى حلم التقسيم، في سياق ما يجري من فرز للمنطقة مذهبيًا، يمهّد لصنع دويلات طائفية مشابهة للنموذج اليهودي، بحسب طرح المشروع القديم، الذي سُمّي وقتذاك بـ “الكمالَين” نسبة إلى كمال أبو لطيف وكمال كنج، اللذين أحيطا بتفاصيل المخطط وقتذاك وأخطرا به الزعيم الراحل كمال جنبلاط والقيادي شوكت شقير، لإفشال مؤامرة إنشاء الدولة الدرزية المزعومة، والذي ضاعف من تلك الهواجس هو التذكير بالمخطط الآنف الذكر، وفي الوقت الذي تمكّنت فيه إسرائيل من تشريع وجودها بالتطبيع العلني أو الضمني مع معظم الدولة العربية.
توازيًا، ومع الحديث عن “حلف الأقليات” أو “الحلف المعمّد بالدم” على حدّ زعم إسرائيل، جاء تعيين عليان، ليضع دروز لبنان أمام اختبارات صعبة، ويقرأون في ارتفاع وتيرة الاعتداءات تعاظم المخاوف من تنفيذ إسرائيل تهديداتها وتوسيع رقعة اعتداءاتها اليومية، وقلق اللبنانيين عمومًا من احتمال جرّ بلدهم مجددًا إلى حرب ضروس لا توفر في تداعياتها احدًا. وللحين، يقف القادة الدروز وعلى رأسهم جنبلاط في الموقع الحذر جدًا من تبعات تلك الخطوة، استنادًا الى رؤية ترفض أي انفتاح إسرائيلي على الدروز عندما بدأ التعرّض لهم في سوريا.
على هذا الأساس جاءت تغريدة جنبلاط على صفحته “X”: “إن الحفاظ على الوحدة الوطنية ووحدة المؤسسات أهمّ من الإملاءات العشوائية الأميركية – الإسرائيلية”، لتصيب جانبًا من خطوة تكليف عليان، خاصة وأن ثمة معلومات مسرّبة من واشنطن، تشير في هذا السياق إلى موافقة واشنطن على التعيين، وعلى اسم عليان في منصبه المستحدث له، ما حدا بالمفسّرين إلى ربطه بالقضايا الدرزية عمومًا، والتي سبق لجنبلاط ورئيس الحزب “الديمقراطي” طلال ارسلان خلال لقاء مدينة عاليه الأخير، ضمن إطار جولتهما على المشايخ الدروز، إعلان فصلهما المسار السوري عن اللبناني، إبّان أحداث السويداء ونتائجها السلبية التي طالتهم كذلك.
“حماية الدروز”، عبارة تكررت في الخطاب الإسرائيلي مرّات عدة، بالنسبة إلى سوريا والتي شكّلت الذريعة لتدخلها، وعلى هذا الأساس تتخوف القيادات الدرزية في لبنان، من تبعات التعيين ومن أن يكون وراء الأكمّة ما وراءها، على جري عادة إسرائيل بتوظيف مسائل من هذا النوع، لخدمة أجنداتها المتعلقة بأمنها القومي، وخاصة آنيًا بالنسبة إلى جبهتها الشمالية المفتوحة مع لبنان، بما في ذلك الخطوط الدقيقة التي تنسجها وتتشابك فيها الجغرافيا بالديموغرافيا.
والجدير ذكره، أن وليد جنبلاط سبق وأطلق تحذيرًا من مشروع إسرائيلي يربط جنوب الليطاني بـ “جبل الشيخ” وصولًا إلى القنيطرة والسويداء. على أن غالبية دروز لبنان غير جنبلاط، على المستويات السياسية والدينية والشعبية يلوذون بالصمت المطبق، بانتظار توضيح الرؤية على نحو أكبر، وسط الضباب الكثيف الذي لا يزال يكتنف كامل المشهد، لتفادي الوقوع في فخ التوظيف الخارجي، وخاصة في إطار مشاريع قد ترمي إلى تقسيم النفوذ والجغرافيا معًا.
كيف قرأ دروز لبنان تعيين عليان منسقًا لشؤون الشرق الأوسط؟ .









