عون ـ “الحزب”: العودة إلى الصّفر

ربّما العبارة الأكثر صواباً في ما رمى إليه خطاب الرئيس جوزف عون أمام السلك الدبلوماسيّ، قوله ضمناً إنّ “الحزب” وقوّته أضحيا جزءاً من ماضي منطقة تتقلّب على التحوّلات المتسارعة غير المحسوبة، أكثر منهما جزءاً محتملاً من حاضرها ومستقبلها. لم يتكلّم عن سلاحه فحسب، بل عمّا هو أبعد من ذلك بكثير، في تناوله السلام الذي تذهب إليه المنطقة بالحسنى أو بالإرغام. على نحو غير مسبوق رفع عون نبرة المواجهة مع “الحزب”، وهو يخاطب الخارج والداخل في آن، كما لو أنّه بمفرده يقودها، مع أنّه يسابقه فيها إلى يمينه رئيس الحكومة نوّاف سلام وإلى يساره رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع.

 

قابل “الحزب” بسلبيّة واستياء خطاب رئيس الجمهوريّة جوزف عون أمام السلك الدبلوماسيّ الثلاثاء الفائت، مُصغياً إلى ما أدلى به من مواقف متقدّمة على ما كان قاله عون قبل أيّام في المقابلة التلفزيونيّة بعد مرور سنة على الولاية. سارع “الحزب” بادىء بدء عبر إعلامه إلى انتقاده بقسوة في الساعات التالية. ثمّ استخلص بضع ملاحظات ممّا رام الرئيس أن يقوله، على أنّها مفتوحة على خيارات ينظر إليها “الحزب” بجدّيّة، ولا يتردّد في تأكيد مضيّه فيها:

1- مع أنّ الخطاب مُوجّه إلى الخارج كي يحمل السفراء مضمونه إلى حكوماتهم حيال ما أحرزته السنة الأولى من الولاية، بيد أنّ عون أدار ظهره إلى الداخل، وإلى “الحزب” تحديداً من خلال إظهاره عقبة في طريق الحلول استطاعت قرارات الحكومة تجاوز بعض أسبابها. ليس أدلّ على ذلك من عبارات “التخوين والتجريح والتجنّي” و”المغامرات الانتحاريّة” و”الانزلاق في صراعات الآخرين”.

من وجهة نظر “الحزب” لم يلائم عون بين الضغوط الدوليّة التي يتعرّض لها وحرص العهد على علاقاته بالدول، لا سيما منها المؤثّرة وأوّل المعنيّين بالخطاب كالأميركيّين، وبين التوازنات الداخليّة وخصوصاً موقع “الحزب” فيها.

خلافاً للانطباع الذي أشاعه الخطاب لدى السفراء الحاضرين عن التقدّم الذي أحرزته إجراءات السلطات اللبنانيّة السياسيّة والعسكريّة، يقدّم “الحزب” عن نفسه صورة مناقضة: لا يزال متماسكاً تنظيميّاً، مُحتَضناً بالبيئة الشيعيّة كما لم يكن مرّة، متمسّكاً بسلاحه الذي أضحى في حسبانه رمز التفاف طائفته من حوله، وحضوره السياسي في المؤسّسات غير مستغنى عنه ولا يزال يملك قوّة الاعتراض والمنع.

أين استراتيجية الأمن الوطنيّ؟

2- – فُُهِمَ كلام رئيس الجمهوريّة عن الإصرار على المضيّ في خطّة حصر السلاح في يد الدولة أنّه لا يكتفي بقطع الحوار مع “الحزب” فحسب، بل قلَبَ نهائيّاً صفحة ما كان أدرجه في خطاب القسم وتبنّته حكومة الرئيس نوّاف سلام، وهو استراتيجية الأمن الوطنيّ على أنّها إجراء مكمّل لقرار حصر السلاح.

إذاً كلام الرئيس في المقابلة التلفزيونيّة عن “العقلنة” وفقدان السلاح وظيفته نهائيّاً، ثمّ في خطاب السلك الدبلوماسيّ، يلغي مغزى الحاجة إلى استراتيجية الأمن الوطنيّ نهائيّاً. يفضي ذلك حكماً وفق استنتاج “الحزب” إلى فقدان جدوى أيّ حوار بينه وبين رئيس الجمهوريّة على قلّة إيمانه بما أُحرزَ منه في سنة من الولاية. لم يكن مستشاره وصهره أندره رحّال في لقاءاته مع “الحزب” أكثر من ناقل للرسائل في الذهاب والإياب، على أنّ هذا الحوار بَات الآن مقطوعاً من طرف واحد.

لم يعنِ تمسّك “الحزب” باستراتيجية الأمن الوطنيّ سوى إعادة تشريع احتفاظه بسلاحه وفق قاعدة تنظيم استخدامه بينه وبين الجيش اللبنانيّ دونما تخلّيه عنه وعن مخازنه، وهو ما لا يتحدّث عنه قرار حصر السلاح في يد الدولة. يذهب “الحزب” إلى أبعد من ذلك بقوله إنّ أمينه العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله كان أوّل مَن اقترح “استراتيجية دفاعيّة” على طاولة الحوار الوطنيّ عام 2005.

3- وفق تفسير “الحزب”، ما حقّقه الجيش اللبنانيّ في جنوب نهر الليطاني، وبسط سيطرته عليه تبعاً لما فاخر به رئيس الجمهوريّة في خطابه الأخير، واعتزازه بأنّ رصاصة واحدة لم تطلق في السنة الأولى من الولاية على إسرائيل، كلّ ذلك لم يكن ليحصل لو لم يُرِد “الحزب”.

سلّم أوّلاً بتبدّل معادلة الصراع العسكريّ مع إسرائيل على أرض الجنوب، متيقّناً من صواب موافقته على إجراءات الجيش للوصول إلى مخازنه ومستودعاته وأنفاقه دونما أن يساوم. ذلك ما اكتشف خطأه الجسيم أخيراً. ما قدّمه لم تُقْدم إسرائيل في المقابل على نظيره.

ينظر “الحزب” إلى قرارَيْ 5 آب و7 منه على أنّهما وفّرا لإسرائيل ذريعة التنصّل من التزاماتها في اتّفاق وقف النار، وأحالاها متفرّجاً على ما بات في نظر “الحزب” أولويّة السلطات اللبنانيّة، وهو تجريده من سلاحه وحده دون غيره. في حصيلة ما يقوله أنّ رئيس الجمهوريّة لم يستطع في سنة أولى من ولايته الحصول على أكثر ممّا وافق “الحزب” على إعطائه إيّاه، مباشرة أو مداورة.

“الميكانيزم” وشمال اللّيطاني

4- لا وجود عند “الحزب” لشمال نهر الليطاني في اتّفاق وقف النار والقرار 1701، وسيمنع أيّاً تكن الوسائل الوصول إلى هذه المحطّة. لن يسمح ببلوغ مخازن أسلحته ومستودعاته ومنشآته وبناه العسكريّة في ما يتجاوز جنوب نهر الليطاني ووضع اليد عليها.

لا ينصّ القرار 1701، في حسبانه، إلّا على منطقة أمنيّة واحدة هي جنوب نهر الليطاني، وهو ما برّر إلحاق اتّفاق وقف النار بتأليف “الآليّة”، أي لجنة “الميكانيزم”. أحد أعضائها الخمسة هو القوّة الدوليّة في الجنوب بفعل الصلاحيّة المنوطة بها، وهي جعل منطقة عمليّاتها بحسب القرار 1701، عامَيْ 2006 و2024، مقصورةً على جنوب نهر الليطاني، ولا صلاحيّات لها كي تمتدّ إلى خارج هذه البقعة.

لا وجود للجنة “الميكانيزم” شمال نهر الليطاني بصفتها مرجعيّة لمراقبة وقف النار، ولا تماسّ بين إسرائيل و”الحزب” في هذه المنطقة لتبرير مدّ صلاحيّاتها إلى هذا النطاق.

عون ـ “الحزب”: العودة إلى الصّفر .

مقدمات نشرات اخبار الليلة

مقدمة تلفزيون “أو تي في” في وقتٍ يتواصل التفاوض الأميركي–الإيراني على وقع الرسائل المتبادلة والضغوط المتوازية، المنطقة بأسرها في دائرة الانتظار، ولبنان في حال ترقب

Read More »
Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...