في هذه السلسلة من “العدالة المؤجلة”، التي تمتد على ثلاثة أجزاء، ندخل في خبايا وتفاصيل عمليات اغتيال سياسية هزت لبنان منذ نحو نصف قرن، والقاسم الوحيد المشترك بينها كان: اتهام النظام السوري السابق من حافظ الأب إلى بشار الابن بالوقوف وراءها.
عشية ذكرى اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، في 14 من فبراير (شباط) عام 2005، يعود شريط الاغتيالات السياسية في لبنان ليفتح واحداً من أكثر الفصول دموية في تاريخه الحديث. بين الثمانينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية، سقط رؤساء حكومات ورجال دين ونواب وصحافيون وقادة سياسيون في موجات تفجيرات مدوية ورصاص كاتم للصوت، في بلد كان القرار فيه موزعاً بين عواصم الخارج وأجهزة الداخل.
طوال أعوام الوصاية السورية، التي بدأت مع دخول الجيش السوري إلى لبنان بداية الحرب الأهلية عام 1976، وجهت اتهامات سياسية واسعة إلى دمشق وأجهزتها الأمنية بالوقوف خلف سلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات معارضة لنفوذها أو رافضة لترتيباتها الإقليمية، من اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط مروراً بالرئيس بشير الجميل، ومفتي الجمهورية حسن خالد عام 1989، إلى جانب محاولات استهداف معارضين بارزين في التسعينيات، وصولاً إلى الانفجار الذي غير وجه بيروت في الـ14 من فبراير، وحتى ما تلاه من عمليات لم تكن بعيدة من السياق نفسه وطبيعة المستهدفين وانتماءاتهم.
وبين ما أثبتته المحاكم، وما بقي في خانة الاتهام السياسي، وما طمس في أرشيف الحرب، تتشكل رواية معقدة عن مرحلة اختلط فيها الأمن بالسياسة، والسيادة بالوصاية، والدم بالرسائل الإقليمية.
ومع التحولات العميقة التي يشهدها لبنان منذ نحو عامين، وكذلك سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، عادت ملفات الماضي لتطفو مجدداً على السطح، حاملة معها أسئلة قديمة ومعلقة عن العدالة والمحاسبة والذاكرة الوطنية.
تزامناً، أعيد فتح قنوات التنسيق القضائي بين بيروت ودمشق في إطار مساعٍ إلى عقد اتفاقات تعاون تشمل ملفات عالقة منذ عقود، أبرزها الاغتيالات السياسية التي طاولت شخصيات لبنانية منذ سبعينيات القرن الماضي.
في هذه السلسلة من “العدالة المؤجلة”، التي تمتد على ثلاثة أجزاء، ندخل في خبايا وتفاصيل عمليات اغتيال سياسية هزت لبنان منذ نحو نصف قرن، والقاسم الوحيد المشترك بينها كان: اتهام النظام السوري السابق من حافظ الأب إلى بشار الابن بالوقوف وراءها.
رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري (إلى اليمين) مجتمعاً بالرئيس السوري حافظ الأسد عام 1997 (ا ف ب)
كمال جنبلاط هدد زعامة الأسد الإقليمية
في الـ16 من مارس (آذار) 1977 اغتيل رئيس الحركة الوطنية والزعيم الدرزي كمال جنبلاط، اغتيال أشعل شرارة الفتنة والمجازر في جبل لبنان بين الدروز والمسيحيين، فكانت النتيجة مئات القتلى سقطوا داخل القرى المسيحية في المنطقة، وهجرة جماعية لأبنائها، بعدما حملت “الحركة الوطنية” التي كان ينتمي إليها جنبلاط القوى المسيحية مسؤولية الاغتيال، على رغم الإشارات الدامغة حول تورط الاستخبارات السورية ونظام الرئيس حافظ الأسد في الجريمة، على رغم إنكار الأخير المسؤولية.
بالعودة إلى جذور ما حصل حينها ووفق بعض المؤرخين، كانت تسيطر منظمة “التحرير الفلسطينية” برئاسة ياسر عرفات، والمتحالفة مع كمال جنبلاط على جزء غير صغير من أراضي لبنان، مما أقلق حافظ الأسد من وجود دولة فلسطينية يسارية على حدوده قد تهدد التوازنات الإقليمية وربما تتمدد إلى الداخل السوري.
وهنا يذكر متابعون وأشخاص عايشوا تلك المرحلة، أن لقاء عاصفاً جمع الأسد وجنبلاط في دمشق في مارس عام 1976 (واستمر سبع ساعات)، وفيه برز خلاف عميق في الرؤى، وهو ما تؤكده رواية نائب الرئيس السوري آنذاك عبدالحليم خدام.
وفي تفاصيل اللقاء طالب جنبلاط بدعم عسكري سوري لمواصلة القتال ضد الميليشيات المسيحية، مما عارضه الأسد ليس خوفاً على المسيحيين إنما خوف من زعامة جنبلاط الذي يحظى بدعم لا محدود من عرفات، ناهيك بدعم جنبلاط للزعيم الفلسطيني، الذي لم يكن على وفاق مع دمشق حينها.
هذه الخلفية تفسر وفق غالبية المتابعين الدافع السياسي الأساس وراء الاغتيال، التخلص من كمال جنبلاط كعقبة أمام مشروع الأسد في لبنان.
علامات رصاصات على السيارة التي قُتل فيها كمال جنبلاط (وسائل التواصل)
اغتيال محترف ومنظم
يوم الـ16 من مارس عام 1977 كان كمال جنبلاط يستقل سيارته من نوع مرسيدس على الطريق الجبلية بين بلدتي بعقلين وبيت الدين في الشوف، متوجهاً إلى قصر المختارة حيث مقر زعامته، وعند أحد المنعطفات الحادة في قرية دير دوريت، اعترضت طريقه سيارة من نوع بونتياك رياضية تحمل لوحة تسجيل عراقية وعلى متنها ثلاثة مسلحين. انحرفت سيارة المنفذين أمام سيارة جنبلاط لإجباره على التوقف، وترجل المسلحون وفتحوا النار بغزارة على الركاب، أصيب الزعيم الدرزي مباشرة بوابل من الرصاص في رأسه وصدره فأردوه قتيلاً على الفور، كذلك قتل حارسه حين حاول الرد بإطلاق النار.
غادر الجناة مسرح الجريمة ولاحقاً عثر المحققون اللبنانيون على سيارتهم مهجورة ومحركها لا يزال يعمل وعليها آثار دماء، فكانت الترجيحات بأنها ربما تعطلت بعد العملية فتركها المهاجمون وفروا.
وكثيراً، في بعض الشهادات والروايات الشفوية وفي كتب تتناول الحرب الأهلية اللبنانية، يذكر أن شاهد عيان كان يستقل سيارة مدنية اعترضه مسلحون في اليوم نفسه وفي الطريق حيث اغتيل جنبلاط، وأنزلوا ركابه تحت تهديد السلاح، ثم أرغموه على نقلهم من موقع الاغتيال، وقادهم الرجل على طول الطريق الجبلية ظناً منه أنهم جرحى أو في مهمة عسكرية، ليكتشف لاحقاً أنه أوصلهم إلى أحد مراكز الاستخبارات السورية في المنطقة.
من جهة أخرى أنكر النظام السوري مراراً بشكل مباشر أو غير مباشر أي علاقة له بالجريمة، وقد حاولت وسائل إعلام حليفة لسوريا آنذاك تسويق فرضيات بديلة، منها أن اغتيال جنبلاط ربما أتى نتيجة صراعات داخلية لبنانية، أو عمل انتقامي من خصومه، أو حتى مؤامرة إسرائيلية لإشعال الفتنة، وعلى رغم أن التحقيق الرسمي في لبنان أقفل من دون تسمية الجناة، خرجت إلى العلن روايات عدة موثوقة من سياسيين ومنشقين كشفت أجزاء من الحقيقة.
متهمون في دائرة الأسد
في بحث معمق عن اغتيال كمال جنبلاط، يمكن تتبع خيوط التورط السوري عبر أربعة أسماء رئيسة، وهي حافظ الأسد نفسه كصاحب القرار، شقيقه رفعت كمخطط مشتبه فيه، وإبراهيم حويجة (أحد كبار ضباط الاستخبارات الجوية السورية) كمنفذ للعملية، وعناصر لبنانية ارتبطت بالاستخبارات السورية سهلت التنفيذ. ومع أن الأسد الأب تهرب علناً من المسؤولية حتى آخر أيامه، إلا أن الرواية التي تبناها نجله وليد جنبلاط بعد 40 عاماً كانت واضحة، وقالها مباشرة خلال مقابلة إعلامية أجراها عام 2015 “المسؤول عن قرار اغتيال والدي هو حافظ الأسد”.
وكذلك يبرز دور رفعت شقيق الرئيس السوري ونائبه، المتهم بالتخطيط، وكثيراً ما ذكر اسمه في التحقيقات الصحافية، ولعل أول اتهام علني بارز صدر عن السياسي اللبناني جورج حاوي (الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني)، الذي قال إن رفعت هو من “دبر ونفذ” اغتيال جنبلاط إنما من دون علم شقيقه حافظ، وللمفارقة أن حاوي نفسه اغتيل بعد أسابيع قليلة من تصريحه، في الـ21 من يونيو (حزيران) عام 2005 بانفجار سيارته في العاصمة بيروت.
أما بالنسبة إلى إبراهيم حويجة، فيصفه كثر بأنه قائد فريق الاغتيال، كونه الشخصية الأمنية السورية الميدانية الأكثر صلة باغتيال جنبلاط، وهو ضابط في الاستخبارات الجوية السورية، كان برتبة رائد في 1977 ومسؤولاً عن مركز استخباري في منطقة سن الفيل ببيروت.
الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط (ا ف ب)
وتؤكد مصادر سورية معارضة أن حويجة كان “ذراعاً طولى” للنظام السوري السابق في تنفيذ الاغتيالات منذ السبعينيات، وعام 2025، بعد سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، أعلنت السلطات السورية الجديدة اعتقال حويجة خلال محاولته الهرب من معقله في منطقة اللاذقية.
وإلى جانب الأسماء الكبرى أعلاه، تحدثت روايات عن تورط عناصر لبنانية حليفة لسوريا في تسهيل الاغتيال، وعملها كان ميدانياً مسهلاً لتنفيذ الاغتيال.
وللمفارقة أن وليد جنبلاط، وفي الذكرى الـ48 لاغتيال والده قال “مع شروق شمس الحرية في سوريا وسقوط نظام الطغيان واعتقال الرجل المسؤول عن الاغتيال إبراهيم حويجي، أعلن طي صفحة إحياء الذكرى، فقد أخذت عدالة التاريخ مجراها ولو بعد حين”.
الأسد والتخلص من الرئيس بشير
مرت أعوام قليلة على اغتيال كمال جنبلاط، ليهز انفجار آخر العاصمة بيروت ولبنان بأسره، في يوم الـ14 من سبتمبر (أيلول) عام 1982، اغتيل بشير الجميل الرئيس، بعد أقل من شهر على انتخابه.
اتسمت علاقة بشير الجميل بسوريا بالعداء السياسي والعسكري الواضح خلال أعوام الحرب الأهلية اللبنانية. ففي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، برز الجميل، قائد “القوات اللبنانية” آنذاك، كأحد أبرز المعارضين للوجود العسكري السوري، واعتبره تدخلاً يمس بالسيادة اللبنانية ويعيد رسم التوازنات الداخلية لمصلحة دمشق. تصاعد التوتر بين الطرفين مع اشتباكات مباشرة في بعض المحطات، وتبادل اتهامات علنية حول النفوذ والسيطرة، ومع انتخابه رئيساً للجمهورية في أغسطس (آب) 1982، رأت دمشق في صعوده تحولاً استراتيجياً مقلقاً، خصوصاً في ظل تقاربه مع إسرائيل آنذاك، مما جعل علاقته بسوريا إحدى أكثر العلاقات توتراً في المشهد اللبناني قبيل اغتياله.
بشير كان بالنسبة إلى دمشق مشروعاً نقيضاً للطموح الأسدي في لبنان، فمنذ بداية السبعينيات نظر الأسد إلى لبنان باعتباره “خطأ تاريخياً” نتج من اتفاقية سايكس-بيكو (الموقعة في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي قسمت الشرق الأوسط بعد سقوط السلطنة العثمانية)، وكان يؤمن بوجوب إعادة ضمه إلى سوريا.
وقد أبلغ الأسد الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل (شقيق بشير الذي انتخب رئيساً بعد اغتيال شقيقه) صراحة في أحد لقاءاتهما “لا تنس أن لبنان جزء من سوريا… من مصلحتكم أن ترجعوا إلى الحضن السوري”.
ضمن هذا المنظور، اعتبر الأسد أن أي رئيس لبناني ذي نزعة استقلالية هو خصم يجب إزالته، وحينها كان بشير قد توصل إلى تفاهمات مع الأميركيين والإسرائيليين على إعادة بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وفق من تابع تلك المرحلة، بما يعنيه ذلك من طرد القوات السورية والفصائل الموالية لها التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد منذ 1976، بل وافق قبيل اغتياله على الشروع في مناقشة إقامة علاقات دبلوماسية واتفاق سلام مع إسرائيل، وهو خط أحمر بالنسبة إلى دمشق.
فالنظام السوري الذي رفع لواء رفض أي صلح منفرد مع إسرائيل، رأى في تحركات بشير تهديداً استراتيجيا قد يفضي إلى عزل سوريا إقليمياً وضياع ورقتها اللبنانية.
حبيب الشرتوني في الواجهة
على رغم انتهاء التحقيقات باغتيال بشير الجميل باتهام عنصر من الحزب القومي السوري، يدعى حبيب الشرتوني، بالوقوف وراء الاغتيال، فإن أصابع الاتهام وجهت منذ اللحظة نحو النظام السوري السابق بقيادة حافظ الأسد مباشرة.
منفذ عملية التفجير هو اللبناني حبيب الشرتوني، فيما خطط لها وفق التحقيقات عنصر آخر في الحزب القومي يدعى نبيل العلم، لكن القرار الأكبر صدر عن الاستخبارات السورية، وفق ما صرح به الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، وقد قال “هذه ثابتة، الذي اغتال بشير هو عنصر تابع للحزب القومي السوري مرتبط مباشرة مع جهاز الاستخبارات السورية… الاستخبارات السورية هي التي خططت للعملية بينما تولى التنفيذ قيادة الحزب القومي آنذاك”، وأي حديث عن الاستخبارات السورية كان يفهم بأنه اتهام مباشر للنظام في دمشق.
ينقل النائب والوزير السابق مروان حمادة، الذي تعرض بدوره لمحاولة اغتيال عام 2004، واقعة حصلت قبل أيام من اغتيال بشير، ويكشف عن أن أربعة أيام فقط قبل الاغتيال، اجتمع حافظ الأسد مع وفد لبناني في دمشق، وكان حمادة من ضمنه، خلال اللقاء سألهم حافظ الأسد بسخرية “عمن تتحدثون؟ عن بشير الجميل؟… انسوا بشير الجميل، انسوه”، وما هي إلا أيام قليلة وكان بشير قد اغتيل.
الرئيس بشير الجميل (إلى اليسار) ووالده رئيس حزب “الكتائب” بيار الجميل (ويكيبيديا)
يوم الاغتيال وجهاز التفجير المتطور
الثلاثاء الـ14 من سبتمبر 1982 كان بشير الجميل يعقد اجتماعه الأسبوعي المعتاد مع كوادر حزب “الكتائب” في مقر الحزب بمنطقة الأشرفية بشرق بيروت، وعند الساعة 4:10 عصراً دوى انفجار هائل دمر المبنى، وتبين لاحقاً أنه ناجم عن قنبلة تزن نحو 50 كلغ من مادة TNT زرعت في الطابق الثاني.
اعتقل حبيب الشرتوني بعد يومين من العملية على يد جهاز الأمن التابع لحزب “القوات اللبنانية”، حيث كان مختبئاً في منطقة الأشرفية. خلال مؤتمر صحافي عقد على عجل قبل تسليمه للسلطات، بدا الشرتوني هارباً من أي ندم، بل وقف ليبرر فعلته قائلاً “بشير الجميل خائن باع الوطن لإسرائيل”.
ولاحقاً كشفت اعترافات الشرتوني أن نبيل العلم، وهو كان مسؤولاً أمنياً كبيراً في الحزب القومي السوري، هو من قام بتجنيده وتكليفه اغتيال بشير، بل إنه زوده شخصياً بالمتفجرات وجهاز التفجير الإلكتروني المتطور الذي استخدم في العملية.
والعلم، بوصفه مسؤولاً أمنياً في الحزب، حظي بعلاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات السورية، وتشير المعلومات إلى أنه فور نجاح العملية وتأكد مقتل بشير، سارع العلم إلى مغادرة لبنان، وقيل إن وجهته كانت سوريا.
وعلى مستوى أعلى، تفيد تسريبات من دوائر غربية بأن أجهزة استخبارات أجنبية شرقية ساعدت في إنجاز المهمة بطلب سوري.
ففي رواية كشف عنها القيادي اليساري إلياس عطا الله أخيراً، قال “المتفجرة التي قتلت بشير جاءت من ألمانيا الشرقية على شكل لحاف نوم عادي يمكنك أن تتغطى به وتنام، وضعت في اللحاف مادة شديدة الانفجار وذات قدرة تدميرية عالية، يكفي أن تضع الصاعق أو ربما مجرد دبوس ليحصل الانفجار. هذه عملية تتخطى قدرة الشرتوني كفرد، وأنا أعتقد أن العملية كانت بمشاركة الاستخبارات السورية التي كانت لها علاقات مع أجهزة الاستخبارات في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وغيرها”.
من مكان اغتيال الرئيس بشير الجميل (ا ف ب)
إخراج من السجن وحكم إعدام غيابي
بعد اغتيال بشير، أودع حبيب الشرتوني سجن رومية شرق بيروت منتظراً محاكمته، وبقي هناك ثمانية أعوام من دون محاكمة رسمية، حتى أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1990، حين شنت القوات السورية هجوماً اجتاحت خلاله ما تبقى من مناطق شرقية في لبنان وأنهت تمرد قائد الجيش العماد ميشال عون. في ذلك اليوم دخلت وحدات من الجيش السوري إلى قصر بعبدا لإسقاط عون، وفي الوقت ذاته توجهت وحدة عسكرية أخرى إلى سجن رومية وأخرجت الشرتوني من زنزانته.
ولا يزال حتى اللحظة مكان حبيب الشرتوني مجهولاً.
في عام 2017 وبعد 35 عاماً على الاغتيال، أصدرت المحكمة اللبنانية حكماً غيابياً بإعدام الشرتوني والعلم وتجريدهما من حقوقهما المدنية، وقد سعى لبنان عبر الإنتربول لملاحقة الشرتوني دولياً عقب الحكم، فيما التزمت دمشق الصمت ورفضت التعاون في الكشف عن أي معلومات حوله.
اغتيال المفتي حسن خالد
في ظهيرة الـ16 من مايو (أيار) 1989هز انفجار هائل منطقة عائشة بكار في العاصمة بيروت، مودياً بحياة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد ومعه نحو 20 شخصاً من مرافقيه والمارة. كانت العملية صدمة كبرى، إذ خسرت البلاد شخصية دينية ووطنية بارزة عرفت بالاعتدال والدعوة إلى الحوار الإسلامي – المسيحي، والأهم رفضها الوجود السوري في لبنان ومعارضتها نظام الأسد.
وقد جاء هذا الاغتيال ضمن سياق موجة اغتيالات سياسية خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها، موجهة ضد قادة لبنانيين معارضين للهيمنة الخارجية، وكما في عمليتي اغتيال جنبلاط (1977) والجميل (1982)، سارع كثر إلى توجيه أصابع الاتهام نحو النظام السوري وحلفائه، نظراً إلى مواقف المفتي الجريئة التي يعتقد أنها جعلته هدفاً لدمشق.
حينها، كانت البلاد منقسمة بين سلطتين، حكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون في بيروت الشرقية وحكومة مدنية برئاسة سليم الحص في بيروت الغربية مدعومة من النظام السوري. انتشرت القوات السورية في أجزاء واسعة من لبنان آنذاك، وفي المقابل برز المفتي حسن خالد كصوت اعتدال واستقلال داخل الطائفة السنية وخارجها.
وعلى رغم أن المفتي رحب بالتدخل السوري عام 1976 لوقف الاقتتال، فإن موقفه تبدل جذرياً مع مرور الوقت، إذ إن تزايد نفوذ دمشق وتحوله إلى هيمنة مباشرة أثار قلق المفتي ومعارضته الصريحة، وبحلول أواخر الثمانينيات كان الشيخ حسن خالد أحد أبرز المنتقدين اللبنانيين للوصاية السورية.
وما بين عامي 1988 و1989 وصلت العلاقة بين المفتي خالد والنظام السوري إلى أسوأ حال، فقد عارض المفتي مساعي دمشق إلى إحكام قبضتها سياسياً على الطائفة السنية بعد اغتيال حليفها الأبرز رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي عام 1987.
وندد حسن خالد بالاشتباكات العبثية التي اندلعت بين الجيش اللبناني بقيادة العماد عون من جهة والقوات السورية وحلفائها من جهة أخرى فيما عرف بـ”حرب التحرير” عام 1989. خلال تلك الحرب، وبسبب القصف السوري العنيف لمناطق مسيحية ومدنية، وجه المفتي عبارة شهيرة تحدى بها دمشق قائلاً “ليقتلوني إذا أرادوا، ولكن لماذا قصف الأبرياء والآمنين؟”.
بطبيعة الحال، لم يكن بوسع النظام السوري آنذاك أن يتقبل وجود صوت سني بهذا الثقل المعنوي خارج صفوفها، كذلك فإن الشيخ حسن خالد شكل مع البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله صفير (المعارض الشرس للوصاية السورية) ثنائياً وطنياً جامعاً بين المسلمين والمسيحيين في تلك المرحلة الحرجة، إذ رفعا معاً لواء السيادة ورفض الاحتلال والوصاية، لذا، عندما اغتيل المفتي حسن خالد، شعر البطريرك صفير بأنه فقد شريكاً لا يعوض في النضال السلمي من أجل لبنان.
صورة أرشيفية تظهر مفتي الجمهورية في لبنان الشيخ حسن خالد (إلى اليمين) برفقة الشيخ صبحي الصالح (ا ف ب)
ضلوع النظام السوري وحلفائه
على صعيد التحقيق الجنائي، سارعت السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق، لكنه لم يصل إلى نتائج حاسمة في ظل سيطرة أمنية وسياسية سورية على مفاصل الدولة آنذاك. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، وهو أمر متوقع في اغتيال سياسي كهذا، لكن الجميع أيقن أنها جريمة اغتيال مخططة بعناية وليست حادثة عشوائية.
وتبين للمحققين أن السيارة المفخخة وضعت في موقع استراتيجي على مسار الموكب المعتاد للمفتي وبقرب منعطف يبطئ فيه السائقون سرعتهم، مما يرجح أن المنفذين جمعوا معلومات دقيقة، كذلك فإن التفجير وقع في منطقة تخضع أمنياً للجيش والاستخبارات السورية التي كانت تنشر حواجزها في بيروت الغربية آنذاك، مما أثار أسئلة حول كيفية إدخال سيارة مفخخة بهذه الضخامة إلى تلك المنطقة المحروسة من دون علم القوى المهيمنة.
عقب الاغتيال، سارع النظام السوري عبر إعلامه الرسمي وحلفائه في لبنان إلى اتهام “المتطرفين المسيحيين” بارتكاب الجريمة، في تلميح إلى “القوات اللبنانية” أو جماعة العماد ميشال عون، زاعماً أن اغتيال المفتي يستفيد منه خصوم سوريا لإحداث فتنة سنية – مسيحية.
“انتبه من السوريين”
على مر الأعوام، ومع تغير الظروف السياسية، خرج كثير من السياسيين والمؤرخين اللبنانيين ليصرحوا علناً بما كان يهمس به سراً في 1989، وهو أن النظام السوري هو الذي اغتال المفتي حسن خالد، فبعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005 تحديداً كسرت حواجز الخوف وأعيد فتح ملفات الاغتيالات القديمة في الخطاب العام.
تكشف مذكرات رئيس الوزراء الراحل صائب سلام أنه التقى الرئيس المصري السابق أنور السادات في أواخر السبعينيات، فحذره السادات صراحة بقوله “من اغتال كمال جنبلاط لن يتورع عن اغتيالك أنت وإلياس سركيس (الرئيس آنذاك)”، وخلال خروجه من اللقاء قال له السادات “انتبه من السوريين”، هذه الشهادة التاريخية بالغة الدلالة، إذ تكشف عن أن قيادة عربية بارزة كالسادات كانت مقتنعة منذ السبعينيات بأن دمشق تقف وراء تصفية جنبلاط، ومتوقعة استمرارها بهذا النهج الدموي ضد من يعارضها.
بدوره قال الدكتور محمد السماك الذي عايش تلك الفترة عن قرب وكان صديقاً للمفتي ومستشاره، إنه قبل الاغتيال تواصل مع وكالة أنباء محلية لنشر بيان تحذيري ينبه إلى خطر يتهدد المفتي من النظام السوري مباشرة، على أمل أن يشكل الضغط الإعلامي نوعاً من الحماية له، لكن الوقت داهمهم، وما كتب في دمشق قد نفذ في بيروت.
وفي كتاب صدر عام 2019 لمناسبة مرور 30 عاماً على اغتياله، تروي ابنته هدى حسن خالد فصولاً من الساعات الأخيرة قبيل اغتياله، وتقول “في صباح ذلك اليوم المشؤوم، صلى والدي الفجر كعادته، وقرأ ورداً من القرآن، ثم تلقى اتصالاً من شخصية لم أعرفها وقتها، بدا عليه بعدها شيء من الانزعاج، سألته والدتي ماذا هناك، فقال لا شيء… مجرد تهديد فارغ جديد، طلبت منه أن يأخذ حذراً أكثر فأجابني: الأعمار بيد الله يا ابنتي”.
عدالة مؤجلة ما بين سوريا الأسد ولبنان… اغتيالات بلا حساب .










