زيادة الرواتب: هل تهدّد تماسك الحكومة؟

الصرخة التي أطلقها وزير المال ياسين جابر خلال مناقشة الموازنة في مجلس النوّاب هي الحقيقة: “من أين آتي بالمال لتغطية الزيادات وماذا سأقول لصندوق النقد؟”.أعلنها من دون تجميل، رافعاً المسؤولية عنه في حال إقرار زيادات بلا مداخيل.
الحكومة تلقّفت الرسالة. هي أمام مشكلتين: إمّا إثارة غضب موظفي القطاع العام، مع ما يستدعيه ذلك من إضرابات واحتجاجات، أو إغضاب صندوق النقد الذي بالكاد حقّق بعض التقدّم في مفاوضاته مع لبنان. فاختارت الحكومة الحلّ الترقيعي، و”اشترت سكوت” القطاع العام على حساب القطاع الخاص، وعلى مبدأ “لحس المبرد”. فقرّرت زيادة الرواتب وتأمين الأموال لها من تدفيع المواطن في القطاعين العام والخاص الثمن: زيادة على سعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة.
ويشرح الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي لموقع beirut24 أن “ما أُعطي باليد اليمنى سيؤخذ باليسرى. فالـ TVA والزيادة على البنزين هما ضريبة غير مباشرة تطال كل المواطنين من دون تمييز، من موظّف الدولة إلى المتقاعد والعسكري والقطاع الخاص. وهذا يعني بكلام آخر أنّ زيادة الـ 6 أضعاف التي أُعطيت للقطاع العام هي في الواقع زيادة لما يقارب الضعفين لا أكثر. وهي أيضاً تدفيع فئة من المواطنين ضرائب من أجل تمويل رواتب فئة أخرى، وكأنّهم يعاقبون فئة من اللبنانيين من أجل فئة أخرى، هي بدورها سيطالها العقاب في نهاية الأمر”.
وفي انتظار معرفة ما إذا كان مستوى الزيادة سيرضي القطاع العام أصلاً، بدأت الأصوات تتعالى من أوساط القطاع الخاص، التي وصف بعضُها قرار مجلس الوزراء بأنّه يفتقر إلى العدالة والإنصاف بين المواطنين، لا بل هو يضع فئة في مواجهة فئة أخرى، كما حصل إبّان إقرار سلسلة الرتب والرواتب، التي كانت القشّة التي قصمت ظهر الاقتصاد المهترئ.
وبالفعل، بدأت الاحتجاجات عبر قطع الطرق الرئيسية في مناطق عدّة. ولا تستبعد مصادر أن تنضمّ قطاعات عمّالية إضافية إلى حركة الاحتجاج أو الإضراب ضد القرارات المتّخذة. وهكذا، تكون الحكومة نقلت المشكلة من ضفّة إلى أخرى، لا اكثر ولا أقلّ.
وترى مصادر وزارية أن ليس في إمكان الحكومة حاليّاً تقديم حلّ نهائي من دون زيادة الضرائب. فإذا أُقرّت زيادة الرواتب من دون تأمين الأموال لها، تقع الموازنة في العجز، وتفشل كلّ المفاوضات الجارية مع صندوق النقد. وتأمين الأموال من خارج الإطار الضرائبي هو اليوم عمليّة صعبة جدّاً، لأنّ المسار الإصلاحي الكامل يحتاج إلى وقت طويل، وهو سلّة متكاملة تبدأ من ضرب الفساد ولا تنتهي في حصر السلاح.
وتقول المصادر الوزارية إنّ الحكومة الحالية التي أتت بعد أزمة اقتصادية ومالية لا سابق لها، حقّقت العديد من الخطوات قياساً بالمرحلة السابقة. لكن حجم الفساد والاهتراء كبير لدرجة تصعب معالجته دفعة واحدة. هذا عدا عن أنّ فتح أبواب الاستثمارات الخارجية دونه ملفّ سياسي وأمني معقّد، هو ملفّ السلاح. فليس هناك أيّ دولة غربية أو خليجية مستعدّة للاستثمار في لبنان، طالما السلاح ما زال في يد “حزب الله”، وطالما لا استقرار يوحي بالطمأنينة الطويلة المدى.
ولكن للدكتور إيلي يشوعي رأي آخر في حديثه إلى موقعنا. فهو يصف المسؤولين الحاليين بـ “الدكنجيّة”. ويؤكّد وجوب “ضبط الهدر ووقف السرقة التي ما زالت مستمرّة. ولا يمكن إعطاء تبريرات للحكومة في هذا المجال”، حسب رأيه.
ويعتبر يشوعي أن “الحل يكون أيضاً بتلزيم الخدمات العامّة لجهات يمكن أن تنقذ البلد من ملفّ النفايات إلى الموتورات والكهرباء والإنترنت والنقل المشترك والتلوّث”، مشيراً إلى أنّ الصين مستعدّة مثلاً لالتزام هذه الخدمات وتأمينها للبنانيين”.
أمّا بالنسبة إلى إمكان اللجوء إلى احتياطات الذهب وأصول الدولة لحلّ المشكلة، فيرى يشوعي أن “هذه السلطة يجب ألّا تنظر ولو نظرة خاطفة إلى الذهب”، حسب رأيه. كما أن “أصول الدولة هي ملك عام لكلّ اللبنانيين، وليست ملك المودعين ولا المتقاعدين. فهناك فئات من غير المودعين ومن غير الموظّفين في القطاع العام. وهذه الأصول ملك كلّ اللبنانيين، ولا يجوز بيعها من أجل الدفع لفئة محدّدة دون سواها”.
وثمّة من يرى أنّ الحكومة تواجه اليوم في الواقع إحدى أصعب المشاكل، التي يمكن أن تصل إلى تهديد تماسكها. فهناك جهات عديدة تستثمر الأزمات الاقتصادية في السياسة، خصوصاً في ضوء الاشتباك الداخلي القائم حول السلاح والانتخابات.

زيادة الرواتب: هل تهدّد تماسك الحكومة؟ .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...