زاد ردُّ هيئة التشريع والاستشارات على سؤال وزير الداخلية أحمد الحجار المشهد الانتخابيّ تعقيدًا. فبدل أن يُبدّد الضباب، كثّفه. غيمةٌ رماديّةٌ ظلّلت عين التينة، بعدما جاء الردّ معاكسًا للمخرج الذي سعى إليه رئيسُ مجلس النواب نبيه بري بالتنسيق مع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، مع تحييد “خطر” المغتربين عن الثنائي الشيعي.
لكنّ هذا “الأرنب” لم يكن وحيدًا في قبّعة حلول بري. فقد سبقه طرحُ رئيس المجلس “تأجيلاً تقنياً” للاستحقاق شهرًا أو شهرين، من دون أن يجد آذانًا مصغية لدى القوى السياسية، وفق ما تشير مصادر نيابية مطّلعة.
وبعد صدور رأي الهيئة، رأى بري أنّ هناك من يعمل على منع إجراء الانتخابات، فيما تذهب مصادر دبلوماسية مهتمّة بالشأن اللبناني إلى أبعد من ذلك، إذ تقول لـ “المدن” إنّ الولايات المتحدة تحرّك هذا الملفّ بصورة غير مباشرة، وتربط اندفاعته بملفّ “حصر السلاح” وبالمرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان.
ردّ هيئة التشريع والاستشارات
سأل وزيرُ الداخلية الهيئة عمّا إذا كان اللبنانيون غير المقيمين والمسجّلون في الخارج سيقترعون لانتخاب النواب الـ 128 كما جرى عام 2022، أم أنّهم، في حال تعذّر ذلك، سيُطلب منهم الاقتراع من داخل لبنان. الجواب جاء واضحًا: حقّ الاقتراع مكفول لجميع اللبنانيين، بمن فيهم المغتربون، استنادًا إلى الدستور.
وتشير مصادر الوزارة إلى أنّ أيّ تعليق للعمل بالدائرة 16 يحتاج إلى تدخّل تشريعي صريح، خصوصًا في ظلّ غياب الأحكام التطبيقية الخاصة بالمقاعد الستة المخصّصة لغير المقيمين. فعدم إقرار هذه النصوص حتى اليوم يشكّل عائقًا قانونيًا يحول دون تطبيق أحكام الفصل الحادي عشر من القانون رقم 44 وتعديلاته في ما يتعلّق بهذه المقاعد تحديدًا، ما يضع الإدارة الانتخابية أمام مسؤولياتها الدستورية في تنظيم انتخابات عام 2026 وفق الأطر القانونية المرعية.
وفي المقابل، تؤكّد وزارة الداخلية أنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها، وأنّ أيّ حديث عن تأجيل غير مطروح لديها.
هل من تدخلات خارجية؟
تقول مصادر دبلوماسية إنّ الرأي الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة يصدر عن واشنطن، وإنّ المقاربة الأميركية للانتخابات ترتبط، بشكل أو بآخر، بملفّ حصر السلاح بيد الدولة، انطلاقًا من أنّ شكل المجلس النيابي المقبل سيحدّد اتجاهات المرحلة المقبلة.
أمّا المملكة العربية السعودية، فتبدو أقلّ تدخّلًا بصورة مباشرة. وتشير المعطيات إلى أنّ الموفد الأمير يزيد بن فرحان ناقش ملفّ الانتخابات خلال زيارته الأخيرة للبنان، لكن من دون أن يُسجَّل موقفٌ سعوديٌّ تدخّليٌّ واضح، باعتبار أنّ الرياض تنظر إلى الاستحقاق بوصفه شأنًا لبنانيًا داخليًا. غير أن اجتماع اللجنة الخماسية يوم الثلاثاء لن يبدّل المشهد تبديلا علنياً، لكنّه قد يصوّب بوصلة.
الداخلية بين تطبيق القانون وتجاذبات وزارة الخارجية
بحسب مصادر مطّلعة على عمل الوزير ، فإنّ أحمد الحجار يقوم بواجباته لإجراء الانتخابات في موعدها ووفق الأصول القانونية، غير أنّ المواقف السياسية، ولا سيّما موقف وزير الخارجية يوسف رجي تضيف تعقيدًا إلى المسار.
ورغم أنّ هذا الموقف يستند إلى مبدأ دستوري واضح، إلّا أنّ التجربة اللبنانية تُظهر أنّ التسويات السياسية غالبًا ما تتقدّم على النصوص، فتفرض إيقاعها على العملية الانتخابية. وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو محسومًا أنّ الحكومة لن تُصدر مراسيم تطبيقية جديدة متعلّقة بقانون الانتخاب، وهو أمر يُفترض، بحسب القواعد القانونية، أن يكون قد حصل منذ صدور القانون عام 2017.
الكرة في ملعب الجميع
ردّ الهيئة أعاد خلط الأوراق وزاد المشهد الانتخابي تعقيدًا. مصادر نيابية تلخّص المشهد بالقول إنّ “الكرة أصبحت في مرمى الجميع”، وإنّ بري “يلعب لعبته” السياسية: فهو أعلن بوضوح أنّه يريد الانتخابات في موعدها، لكنّه يطلب موقفًا صريحًا ممّن لا يريدها.
وتضيف المصادر أنّ رئيس المجلس أوحى للحكومة بأنّه، حتى لو أُرسل إليه مشروع قانون وجرى تجاوز التفاهم القائم بين عين التينة وبعبدا، فإنّه غير ملزم بإدراجه على جدول أعمال الهيئة العامة، ولن يغطّي انتخابات تُجرى من دون استكمال شروطها القانونية، خصوصًا في ظلّ تأكيد عدم صدور مراسيم تطبيقية عن الحكومة.
هكذا، يقف لبنان أمام مشهد انتخابي مفتوح على كلّ الاحتمالات. فهل تُجرى الانتخابات في موعدها؟ وهل سيقترع المغتربون؟
أسئلة تبقى معلّقة، بانتظار تسويةٍ جديدة… أو مواجهةٍ سياسيةٍ مكشوفة.
رد هيئة التشريع يخلط الأوراق: هل من يربط الانتخابات بالسلاح؟ .








