بعد عشرين يوماً على شنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لا تبدو الحملة العسكرية قريبة من الانتهاء. فهي لم تحقّق حتّى الآن الحدّ المقبول من الأهداف التي تسمح لواشنطن بإعلان “النصر“. وفيما لو أراد الرئيس دونالد ترامب وقف الحرب اليوم، فلن يكون في إمكانه ذلك، طالما أنّ إيران “صامدة” والنظام لم يهتزّ. والعودة من الحرب الآن كمن “ذهب إلى النهر وعاد عطشاناً“.
من الناحية العسكرية، أعلن ترامب أنّ البحرية الإيرانية قد انتهت تقريباً، وأن معظم البرنامج الصاروخي تمّ تدميره، ولم يعد لدى طهران سلاح جوّ فاعل. كما تمّ القضاء على القيادة، بحيث “لم يعد هناك أحد في إيران للتحدّث معه“. وإذا كانت هذه التقديرات صحيحة، فلماذا لا تنتهي الحرب ويعلن “النصر“؟
في المقابل، لا تزال إيران قادرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وكذلك “حزب الله” في لبنان. كما أنّ طهران تعرقل الملاحة في مضيق هرمز، بحيث أصبحت شبه متوقّفة، ما بدأ يؤثّر على أسعار النفط ويؤدّي إلى نقص في إمدادات مواد أساسية في الصناعات التكنولوجية وسواها. أمّا بالنسبة إلى الموضوع النووي، فقد تلقّت المنشآت النووية ضربات كبيرة في حزيران من العام الماضي. كذلك شنّت إسرائيل والولايات المتّحدة في الحرب الحالية غارات على مواقع نووية، منها موقع نطنز. لكن، على رغم ذلك، لا يمكن تحديد مدى الضرر الذي لحق بها، ولا يُعرف مصير اليورانيوم المخصّب الذي ما تزال إيران تحتفظ به، ويمكن أن تنطلق منه لاحقاً للعودة إلى صناعة القنبلة الذرّية.
وثمّة من يرى أنّ “الأهداف” لن تتحقّق إذا نجا النظام. فعندها سيكون أكثر تصميماً على إعادة بناء نفسه والانتقام من أعدائه في الخارج وفي الداخل، حيث قتل في كانون الثاني الماضي آلاف المتظاهرين الذين كانوا يحتجّون على سياساته ويطالبون برحيله، ولم يأتِهم العون الأميركي، كما وعدهم ترامب.
وإذا أحجمت الولايات المتّحدة عن تنفيذ عمليّة برّية، كما هو قرارها حتّى الآن، فإنّ الشارع لن يكون قادراً على مواجهة حملات القمع التي يقوم بها الحرس الثوري والباسيج، خصوصاً أن ليس هناك معارضة قويّة قادرة على استلام السلطة. ومع أنّ الحملة الجوية تعمل على إضعاف هذه الجماعات من خلال ضرب مقراتها ومراكز قيادتها ومستودعات أسلحتها، ولكن لن يكون هذا كافياً ما لم تُنفّذ ضربات كبيرة وواسعة قد تؤدّي إلى إرباك هذه القوى وقطع التواصل في ما بينها ومع القيادة.
وبناء على نتائج الحرب “الهزيلة” حتّى الآن، فإنّ الحملة الأميركية الإسرائيلية مرشّحة لأن تأخذ وقتاً أطول من المتوقّع. وستتطلّب مزيداً من الاستهدافات تطال مخزونات الأسلحة، ومرافق استراتيجية واقتصادية، بما يزعزع ثقة النظام في قدرته على الاستمرار، وربّما يؤدّي ذلك إلى البحث في تغيير السلوك.
ولكن في المقابل، ثمّّة عوامل لا تصبّ في المصلحة الأميركية إذا ما طالت الحرب. فهناك الرأي العام الأميركي الذي سيرفض المزيد من التضحيات والكلفة، وهو سيشكّل عامل ضغط على أبواب الانتخابات النصفية. وإذا ظلّت الملاحة في مضيق هرمز شبه متوقّفة، فهذا أيضاً سيزيد من الضغوط الدولية والعربية على واشنطن لوقف الحرب.
عندها قد تتحوّل الحرب إلى نزاع استنزاف طويل. وستكتفي واشنطن بمنع إيران من أن تشكّل تهديداً نووياً أو صاروخيّاً للمنطقة على المدى القصير، وستحافظ على استراتيجيتها القائمة على سياسة الضغط القصوى وفرض العقوبات، وتنفيذ ضربات استباقية إذا لزم الأمر لمنع طهران من الحصول على السلاح النووي أو إعادة تطوير برنامجها الصاروخي.
أمّا في ما خصّ أذرعها في المنطقة، وتحديداً “حزب الله” والقوات الحوثية، فستتمّ معالجتها كحالة منفصلة، إذا كان ذلك ممكناً. فإسرائيل مصمّمة على إنهاء “حزب الله” الموجود على حدودها، بمعزل عن الملفّ الإيراني. لذا، سواء سقط النظام في طهران أو لم يسقط، وسواء استمرّت الحرب عليها أو توقّفت، فإنّ الحرب على لبنان لن تنتهي قريباً. وستواصل إسرائيل عمليّات التوغّل داخل الأراضي اللبنانية إلى حدود غير واضحة بعد. وإلى الغارات المستمرّة وتخريب البنية التحتية في البلاد، ليس من الصعب على إسرائيل العمل لإثارة الفوضى في الداخل اللبناني بسبب عمليّات النزوح الواسعة وما يمكن أن تشكّله الاحتكاكات من عوامل انفجار، أو عبر تسعير النزاع السوري مع “الحزب” في البقاع عاجلاً أم آجلاً. وعندها نكون قد دخلنا في ما هو أسوأ من الحرب الأهلية التي تخوّف الجميع منها وأحجموا على أساس هذا الخوف عن نزع السلاح.
خاص: كيف تقيس الولايات المتحدة “نجاح” حربها على إيران؟ .










