في مشهدٍ يختلط فيه الرمزي بالمعنوي، وطأت قدم البابا أرض لبنان، وما إن لامست قدماه تراب الوطن حتى فاض الخير فجأة… مطرٌ غزير كأن السماء نفسها أرادت أن تُعلن الترحيب. هكذا بدا المشهد اليوم: بلادٌ عطشى للسلام تستقبل رسول السلام، وسماءٌ حبلى بالبركة تُغسل معها بعضًا من غبار السنوات الصعبة.
لبنان، الذي صار اسمه ملازمًا للأزمات والانقسامات، وقف اليوم مختلفًا. لحظة واحدة كانت كافية ليشعر الناس أن شيئًا أكبر من السياسة والاصطفافات يحدث؛ أن البلد الذي أتعبته الحروب والاغتيالات والانهيارات لا يزال قادرًا على استحضار لحظة أمل تُشبهه… تُشبه قلبه الحقيقي.
زيارة البابا ليست زيارة عابرة. إنها اعترافٌ بلبنان الرسالة، بلبنان الذي يُحافظ رغم جراحه على قدرته العجيبة على الحياة. وحين انهمر المطر، رأى فيه كثيرون إشارة: أن الخير ما زال ممكنًا، وأن الغيم، مهما تراكم، لا بد أن يسكب ماءه يومًا، تمامًا كما يسكب السلام نوره حين يجد بابًا مفتوحًا.
رسالتي انا الشاب اللبناني إلى البابا لاوون الرابع عشر:
“قداستك،
أنا واحد من جيلٍ كبر قبل أوانه… جيلٍ لم يعرف يومًا معنى الطمأنينة. نستقبلك اليوم وقلوبنا مثقوبة، مثقلة، مُنهكة من الركض الدائم خلف وطنٍ يهرب منا كلما اقتربنا منه.
نحن شباب لبنان، الذين يفترض أن نكون طاقة البلد ومستقبله، صرنا نحمل في صدورنا عمرًا أكبر من أعمارنا. وُلدنا على صوت التفجيرات، كبرنا على أخبار الاغتيالات، درسنا على ضوء الشموع، ووقفنا طوابير لنحصل على البنزين والدواء ورغيف الخبز. هاجر أصدقاؤنا، ومات بعضهم، ودفنا أحلامنا معهم.
لم نطلب الكثير… كنا نريد بلدًا طبيعيًا، لا يمجّد الموت ولا يقدّس السلاح ولا يسلّم رقاب الناس لزعماء لا يرون فينا سوى أرقام. كنا نريد أن نعيش كباقي الشعوب، أن نخطط للمستقبل لا للهروب، أن نفكّر في أيامنا القادمة لا في طرق النجاة.
رسالة شاب لبناني للبابا لاوون الرابع عشر:
“قداستك،
نحن جيلٌ لم يَعُد يملك ترفَ الحلم… جيلٌ تحطّم على أيدي من سرقوا وطنه، نهبوا لقمة عيشه، وخنقوا مستقبله بلا رحمة.
نحن شباب لبنان الذين يُفترض أن نكون روحه… فإذا بنا اليوم نتحوّل إلى حقائب تنتظر طائرة، إلى أسماء تُمحى من سجلات البلد واحدًا تلو الآخر.
ليس لأننا اخترنا الرحيل، بل لأن البقاء صار شكلًا آخر من الموت.
قداستك،
نحن نموت هنا… ببطء، بصمت، بلا ضجيج.
نموت في طوابير الذل.
نموت على أبواب المستشفيات.
نموت في الجامعات التي أُقفلت أبوابها في وجهنا.
نموت في الطرقات التي تُغتال فيها الحياة كل يوم.
نموت تحت سلطةٍ لا تسمع إلا صوت سلاحها، ولا ترى شبابها إلا كأعباء يجب التخلص منها.
كيف نبقى في بلدٍ صار ساحةً لتصفية الحسابات؟
كيف نبقى في وطنٍ صار رهينة بين أيدي زعماء يعرفون جيدًا كيف يحمون كراسيهم… ولا يعرفون شيئًا عن حماية شعبهم؟
كيف نبقى حيث الحرب تُقرَّر بليل، والسلم يُمنَع بليل، ومصيرنا يُكتب خلف أبواب مغلقة لا مكان لنا عندها؟
نحن جيلٌ يُدفَع إلى الهجرة كما يُدفع السجين إلى العتمة.
نحن لا نغادر لأننا نكره لبنان، بل لأن الذين يحكمونه جعلوه لا يُطاق.
قتلوا أحلامنا، أفقرونا، جاع أطفالنا، تهجّر أهلنا، وتُركنا نبحث عن حياة وراء حدود لا تريد استقبالنا أصلاً.
قداستك،
حين وصلتَ اليوم إلى لبنان، بكى السماء مطرًا…
وأمّا نحن، فنبكي أنفسنا.
نبكي شبابًا صاروا أرقامًا في السفارات.
نبكي أصدقاءً فقدناهم: بعضهم ابتلعهم البحر، بعضهم أخذته الحرب، وبعضهم مات وهو على قيد الحياة.
نكتب لك لأن الصوت هنا يُقطع، لأن الحقيقة تُخنق، ولأن القهر صار أكبر من أن يُحتمَل.
نكتب لأن العالم يجب أن يعرف أن شباب لبنان لم يهاجروا بحثًا عن رفاه… بل هربوا من جحيم.
قداستك،
نحن لا نطلب معجزة… المعجزات انتهت هنا منذ زمن.
نطلب فقط أن تُقال الحقيقة:
لبنان بلدٌ جميل أُسلم إلى القبح، وبلدُ السلام صار رهينة السلاح، وبلدُ الرسالة صار مقبرة لأحلام شبابه.
أهلًا بك في لبنان…
لبنان الذي استقبلك بالمطر، لكنه يودّع أبناءه كل يوم كأنهم شهداء بلا نعوش.
لبنان الذي يغتسل بالخير في حضورك، لكنه يغرق في الظلم في غياب الدولة.
لبنان الذي يرفع راية السلام… لكن شبابه يرفعون جوازات سفرهم كمن يرفع شهادة وفاة”.
خاص- الى البابا لاوون رسالة: بلدنا يودع شبابه كل يوم كشهداء بلا نعوش .






