يدرك ترامب أنّ استعراض القوة قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من استخدامها، وأنّ التلْويح بالخيار العسكري يمكن أن يحقّق مكاسب سياسية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
راقِبْهُ عن بُعد قد تعتقد أنّه مجرّد صانع رأي عام، لكن عند التمعّن في قرارات دونالد ترامب، في توقيتها وتكتيكها، يظهر احتراف نادر لا يشبه أداء السياسيين التقليديين ولا حتى معظم مَن سكنوا البيت الأبيض. الرجل لا يتحرّك بردّ الفعل، بل يصنع اللحظة ويُعيد توجيهها بما يخدم أهدافه، مستثمرًا في التوتّر كما في الانفراج.
في ولايته الثانية، يبدو الطموح أكثر وضوحًا: تثبيت موقع متقدّم داخل نادي الرؤساء الكبار في الولايات المتحدة الأميركية. هذا الطموح لا يُترجم بخطابات فقط، بل عبر مقاربة مختلفة لإدارة الأزمات الدولية، تقوم على الجمع بين التصعيد المحسوب وفتح قنوات التفاوض في آن واحد.
إنذار الأيام الخمسة تجاه إيران لم يكن خطوةً معزولةً أو وليدة لحظة، بل جاء ضمن مسار طويل من الضغط التدريجي. فمنذ البداية، اعتمد ترامب سياسةً تقوم على رفع السقف إلى أقصى حدّ، ثم ترك مساحةً للتراجع المشروط، ما يضع الخصم أمام خيارَيْن: المواجهة المُكلفة أو التفاوض وفق شروط جديدة.
في هذا السياق، لا تبدو المفاوضات تناقضًا مع التصعيد، بل امتدادًا له. من عمّان إلى جنيف، تتحرّك الدبلوماسية كجزءٍ من استراتيجية شاملة، حيث تُستخدم القنوات الخلفية والعلنية لخلْق توازن بين الضغط والانفتاح. فالحرب هنا ليست هدفًا بحدّ ذاتها، بل أداة لتحسين شروط السلام.
ما يُميّز ترامب أيضًا هو قدرته على تحويل كل خطوة إلى رسالة مزدوجة: للدّاخل الأميركي الذي يبحث عن صورة القوة، وللخارج الذي يقرأ الإشارات بدقّة. فهو يدرك أنّ استعراض القوة قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من استخدامها، وأنّ التلْويح بالخيار العسكري يمكن أن يحقّق مكاسب سياسية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
هذه المقاربة تجعل منه لاعبًا مختلفًا في الساحة الدولية، إذ يتقن استخدام عنصر المفاجأة ويكسر القواعد التقليدية في التفاوض. وبين التصعيد والتهدئة، يرسم مسارًا خاصًّا لا يشبه إلّا نفسه، مسارًا يهدف في النهاية إلى إعادة تعريف موقع أميركا ودورها في العالم.
في المُحصّلة، لا يمكن قراءة سياسات ترامب بمنطق تقليدي. هو لا يفصل بين الحرب والسلام، بل يدمجهما في معادلة واحدة، عنوانها: تحقيق أقصى المكاسب بأقلّ كلفة ممكنة، ولو عبر السير الدائم على حافة الهاوية.
ترامب: احتراف استثمار الحرب والسلام .









