مدينة بيروت التي احتضنت النّازحين وفتحت أبوابها أمام العائلات التي فقدت منازلها لن تقبل بأن تتحوّل أحياؤها إلى ساحة فوضى أو توتّر. فالتضامن الذي أظهره السكان منذ اللحظة الأولى للنّزوح هو موقف إنساني ثابت، لكنّه في الوقت نفسه لا يعني التساهل مع أي تجاوزات أو ممارسات قد تهدّد أمن العاصمة واستقرارها.
في مدينة اعتادت أن تفتح أبوابها في الأزمات، وجدت بيروت نفسها مجدّدًا أمام اختبار صعب بين احتضان النازحين والحفاظ على استقرار أحيائها. فمع تصاعد الضربات التي طالت الضاحية الجنوبية ومناطق في الجنوب والبقاع، تدفّقت عائلات كثيرة إلى العاصمة بعدما اضطرّت إلى مغادرة منازلها تحت وقع القصف، لتتحوّل شوارع بيروت وأحياؤها إلى محطات لجوء مؤقتة لآلاف الأشخاص الباحثين عن ملاذٍ آمنٍ.
وشهدت العاصمة أمس إشكالات فردية أثارت قلق الأهالي: في الحمرا، اندلع خلاف على خلفيّة ركن سيارة بطريقة غير منظمة، أمّا في فردان فكان السبب تصرّفات استفزازية ورفع أحد النازحين صورة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، ما أدّى إلى اندلاع مشادّات تطورت إلى إطلاق نار من قبل بعض النازحين المسلّحين.
منذ الأيام الأولى للنّزوح، بادر الكثير من أهالي بيروت إلى فتح بيوتهم لاستقبال العائلات التي فقدت منازلها، فيما استقبلت مراكز الإيواء أعدادًا إضافيةً من النازحين، وامتدّ وجودهم إلى عددٍ كبيرٍ من أحياء العاصمة ومناطقها. هذا المشهد الإنساني الذي يعكس روح التضامن بين اللبنانيين رافقته في المقابل بعض التوتّرات المتفرقة في الشارع، خصوصًا بعد الإشكالات التي تخلّلها إطلاق نار، ما أثار مخاوف السكان من تصاعد الأحداث.
ويؤكّد عدد من أهالي بيروت أنّ موقفهم من استقبال النازحين واضح، فهم يعتبرون أنّ الوقوف إلى جانب العائلات التي تهجّرت من منازلها واجب إنساني قبل أي شيء آخر. إلّا أنّهم في الوقت نفسه، يرفضون أي مظاهر فوضى أو تصرفات يرون فيها استفزازًا داخل الأحياء السكنية، مُشدّدين على أنّ التضامن لا يُمكن أن يكون على حساب أمن المدينة واستقرارها.
ويقول بعض السكان إنّ الإشكالات التي وقعت، يوم أمس، وإن بدت فرديةً في طبيعتها، إلّا أنّها تثير المخاوف من احتمال تطوّرها إذا لم تتم معالجتها بسرعة وحزم، خصوصًا أن بعض الحوادث تخلّلها إطلاق نار في شوارع مكتظّة بالسكان والمحال التجارية.
وفي ظلّ هذه الأجواء، يُطالب الأهالي الأجهزة الأمنية بزيادة حضورها في الأحياء التي تشهد كثافةً بعدد النازحين أو وجودًا لمراكز إيواء، والعمل على ضبط أي تجاوزات قبل أن تتفاقم. كما يناشدون اتخاذ إجراءات واضحة لمنع أي مظاهر مسلحة أو إطلاق نار في الشوارع، حفاظًا على السلم الأهلي داخل العاصمة.
في المقابل، تشير مصادر محلية إلى أنّ القوى الأمنية تدخّلت في أكثر من حادثة خلال الأيام الماضية لاحتواء الإشكالات، حيث جرى تفريق المتجمعين وتوقيف بعض المتورّطين، فيما تستمر المتابعة الأمنية للأوضاع في مُحيط مراكز الإيواء والأحياء التي تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين.
وفي هذا الإطار، قال عضو مجلس بلدية بيروت، المحامي محمد بالوظة، لـ”هنا لبنان”، إنّ “الإشكالات التي شهدتها بعض المناطق ومراكز الإيواء في بيروت يوم أمس مرفوضة ومُدانة، ولا يمكن القبول بتحويلها إلى أمر واقع أو التساهل معها”، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ ما يحصل حتّى الآن يبقى في إطار الحوادث الفردية وغير المنظمة، وليس نتيجة قرار أو توجيه رسمي من قبل أي حزب.
وأضاف أنّ “الأحزاب الموجودة على الأرض تعمل على ضبط الأوضاع وتهدئة التوتّر وسحب فتيل أي أزمة قد تنشأ، لكن ذلك لا يعني تبرير أي تصرف أو التغطية على أي جهة تتسبّب بالفوضى”.
وأشار بالوظة إلى أنّ “هناك أشخاصًا متواجدين بشكل دائم في المناطق وداخل مراكز الإيواء لمراقبة الأوضاع وضبطها، إضافةً إلى التنسيق المستمرّ مع مخابرات الجيش لمتابعة أي طارئ قد يحصل ومعالجته بسرعة”.
ولفت إلى أنّ “أي إشكال فردي يتم التعامل معه فورًا عبر التواصل مع إدارة المركز، سواء مع رئيس المركز أو رئيس الطابق أو المسؤول الحزبي الموجود داخل المراكز، وذلك بهدف احتواء المشكلة سريعًا وتأمين الراحة والاستقرار للنّازحين”.
وحول الإشكالات التي وقعت يوم أمس وتخلّلها إطلاق نار، أكّد بالوظة أن “القوى الأمنية ومخابرات الجيش تدخّلتا بشكل مباشر، وتمّ توقيف الفاعلين واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم”.
وشدّد بالوظة على أنّ “أي شخص يتسبب بإشكال، حتى لو كان داخل أحد مراكز الإيواء، يتم إخراجه فورًا ولا يوجد أي تهاون في هذا الأمر. وإذا تطوّر أي إشكال، فإنّ القوى الأمنية تبقى الجهة الوحيدة المخوّلة بمعالجته، ولا أحد يتوسّط لأحد في هذا الموضوع، إذ يترك الأمر للقضاء ليتصرّف وفق الأصول”.
وفي ختام المشهد، تبدو الرسالة التي يوجّهها أهالي بيروت واضحة وحاسمة: المدينة التي احتضنت النازحين وفتحت أبوابها أمام العائلات التي فقدت منازلها لن تقبل بأن تتحوّل أحياؤها إلى ساحة فوضى أو توتّر. فالتضامن الذي أظهره السكان منذ اللحظة الأولى للنزوح هو موقف إنساني ثابت، لكنّه في الوقت نفسه لا يعني التساهل مع أي تجاوزات أو ممارسات قد تهدّد أمن العاصمة واستقرارها.
اليوم، يقف الجميع أمام مسؤولية مشتركة: الحفاظ على كرامة النازحين وأمنهم من جهة، وصون السلم الأهلي في بيروت من جهة أخرى. غير أن الكثيرين يرون أنّ العامل الحاسم يبقى في الحزم الأمني والتطبيق الصارم للقانون، لأن أي تهاون في معالجة الإشكالات، مهما بدت صغيرةً أو فرديةً، قد يفتح الباب أمام توتّرات أكبر لا تحتملها مدينة تعيش أصلًا تحت ضغط النزوح والظروف الأمنية الدقيقة.
بيروت تحت ضغط النّزوح: إشكالات وإطلاق نار في الحمرا وفردان ومخاوف من انفلات الأوضاع! .








