يقول بعض الخبراء في الشأن الانتخابي، سواء من خلال مواكبتهم للانتخابات التي جرت على أساس “قانون غازي كنعان”، أو من خلال تمرّسهم في العمل الانتخابي على أساس القانون النسبي في دورتي 2018 و2022، بأنهم لم يشهدوا مثل هذا التخبّط، الذي يسبق انتخابات الربيع المقبل إذا لم تؤجّل إلى الصيف أو ترحّل إلى سنة أو سنتين. ولا يتردّد هؤلاء بوصف ما يرافق التحضيرات اللوجستية والإدارية، التي تقوم بها وزارة الداخلية والبلديات، وكذلك الاستعدادات القائمة على قدم وساق بالنسبة إلى القوى السياسية، بأنها “عصفورية ومفتوحة”.
فلا الدوائر المعنية في وزارة الداخلية تعرف “كوعها” من “بوعها” الانتخابي، ولا الأحزاب تدرك على أي أساس ستتمّ هذه الانتخابات، مع ضياع كامل من قِبل الناخبين، سواء أكانوا مقيمين أو مغتربين. وتكثر في هذا الإطار أسئلة المواطنين، ومعهم بالطبع المرشحون الطبيعيون أو المفترضون. وأول هذه الأسئلة الطبيعية والمفترضة: هل ستُجرى الانتخابات في المواعيد التي حدّدتها وزارة الداخلية رفعًا للعتب؟ وإذا كانت قائمة في مواعيدها المحدّدة، أي في 1 أيار للمغتربين المقيمين في الدول العربية، وفي 3 أيار لسائر المغتربين، أو في العاشر منه لبنانيين المقيمين على الأراضي اللبنانية، فعلى أي أساس ستُجرى، وهل سينتخب المغتربون كما ينتخب المقيمون، أي لـ 128 نائبًا، كل وفق قيده، أم أنهم سيقترعون لستة مرشحين فقط، أم أنهم سيُحرمون من الحقّ الانتخابي كله؟
فالحكومة “ضايعة” و”مضّيعة” جميع اللبنانيين. وما يزيد من حالة هذا الضياع أن مجلس النواب مقفل في وجه أي محاولة توضيحية لكل هذا اللغط الحاصل وغير المسبوق في تاريخ الانتخابات النيابية.
ومع مرور الوقت المستقطع، ومع اقتراب مواعيد هذا الاستحقاق الدستوري يبدو أن المسار الانتخابي يسير بين خطّين متعرجين وغير متساويين. في الشكل يبدو أن جميع الأفرقاء السياسيين يعملون على أساس أن الانتخابات حاصلة لا محال. أمّا في المضمون فلا شيء مضمونًا.
فالماكينات الانتخابية بدأت بإدارة محركاتها، ولكن من دون هدف واضح ومحدّد، ومن دون معرفة الأفق الزمني والإداري لأي حركة قد ينقلب سحرها على الساحر إذا لم تُعرف طبيعة النهج الانتخابي. فهل يتمّ التحضير على أساس قانون قد يتغيّر بغمضة عين، أو على تفسير قد يُقلب رأسًا على عقب في ليلة سياسية طويلة؟ الجميع يركض، يعلّق الصور، يحجز القاعات، يُعيد تدوير الشعارات ذاتها منذ أيام “الإصلاح والتغيير” الأولى، فيما السؤال البديهي ما زال معلّقًا: هل هناك انتخابات فعلًا، أم أننا أمام تمرين وطني في الهدر المنظّم للأعصاب والأموال؟
المفارقة أن بعض القوى السياسية تتصرّف وكأن الاستحقاق حاصل غدًا صباحًا. فالتحالفات تُطبخ على نار حامية، لوائح “قيد التشكيل”، واستطلاعات رأي تتبدّل نتائجها أسرع من تبدّل المواقف المبدئية، ووفق “اجندة” محدّدة الأهداف وبتسعيرات مختلفة. وفي الوقت نفسه، هناك من يتصرّف على قاعدة أن التأجيل قدرٌ محتوم، فيؤجّل بدوره حسم خياراته، في انتظار “كلمة السرّ” التي قد تأتي أو لا تأتي. هكذا تصبح الانتخابات شبيهة بنشرة طقس سياسية: غائم جزئيًا مع احتمال عواصف دستورية، والحرارة مرشّحة للارتفاع في الكواليس.
أما الناخب، المسكين، فمطلوب منه أن يكون جاهزًا لكل الاحتمالات. أن يحجز تذكرة سفر إذا كان مغتربًا، أو أن يضبط إجازته إذا كان مقيمًا، وأن يُحضّر حماسته الديمقراطية على قاعدة “ادفع أولًا واسأل لاحقًا”. لا أحد يجيبه جوابًا قاطعًا، لكن الجميع يطالبه بالثقة. ثقة بمن؟ بسلطة لم تحسم بعد إن كانت تريد انتخابات كاملة الدسم، أو نسخة “لايت” بستة نواب اغترابيين، أو ربما انتخابات “دايت” بلا اقتراع اغترابي أصلًا؟
وهكذا، بدلًا من أن تكون انتخابات 2026 محطة تجديد للحياة السياسية، تتحوّل إلى “عصفورية ومفتوحة” على كل الاحتمالات، على قانون معلّق، وعلى مجلس نيابي مقفل، وعلى حكومة مرتبكة، وعلى أحزاب تمارس هوايتها المفضّلة في العيش بين النفي والتأكيد. في الشكل نحن أمام عرس ديمقراطي. أمّا في المضمون فنحن أمام خطوبة قابلة للفسخ في أي لحظة.
والسؤال الذي سيبقى يتردّد حتى اللحظة الأخيرة: هل نحن ذاهبون إلى صناديق الاقتراع أم إلى صندوق المفاجآت، أم إلى صندوق الفرجة؟
انتخابات 2026 “عصفورية ومفتوحة” .










