بعد 275 سنة على وفاة مارون الناسك نشأت البطريركية المارونية. كذلك انتظر “المارونيون” 1235 سنة حتى أُعلن لبنان الكبير. ثمة قوة روحية جعلتهم يؤمنون حقًا بأن “ألف عام كيوم أمس الذي عبر”.
لم يستطع توالي القرون والحروب أن ينال من عزيمة الروح التواقة إلى الحرية. والحرية تحتم عليك أن تعيش مع الآخر لأن كل انعزال يؤدي في النهاية إلى هلاك. وفي أعماق الروح تحركت إرادة بناء وطن أرضي على صورة إيمانهم الخلقيدوني. آمنوا بأن المسيح شخصٌ واحد في طبيعتين كاملتين، ولبنان وطن واحد يضم ثنائية تكامل عيش مشترك بين مذاهب مسيحية ومذاهب إسلامية فالابتكار الحضاري كما علَّمنا التاريخ لا ينشأ في مجتمعات أو عقائد منغلقة.
لو نشأ “وطن ماروني” لعاش ردحًا ثم اندثر، لذا آثروا معركة تاريخية متعبة ومكلفة ورغم ما فيها من دماء كثيرة صمدوا في الوجود والرسالة.
83 سنة عمر لبنان المستقل وفق “صيغة 43″، و 36 سنة وفق “صيغة الطائف”، وفي ظل الصيغتين نجا لبنان من الاضمحلال كوطن بديل للفلسطينيين أو مستتبع لأنظمة البعث والناصرية.
عام اندلاع الحرب الأهلية 1975 بدا وكأن المسيحيين والموارنة بشكل خاص وحدهم من رفع راية المقاومة، ولكن في العمق وعلى تدرج، علا الصوت الإسلامي رفضًا لمحاولات إلغاء التجربة اللبنانية في فرادتها.
ورغم اختلال الميزان الوطني عند تطبيق الطائف، ومحاولات استعارة قيادات بديلة عن القيادات الحقيقية، عند المسيحيين وعند المسلمين أيضًا، أطلت سنة 2005 ومن مفاعيل اغتيال رفيق الحريري أن كتلة تياره حملت شعار “لبنان أولًا”.
ماذا يعني هذا الترتيب الزمني للحوادث؟
يريد التاريخ أن يعلمنا أن وتيرته في اتجاهه الصحيح نحو رسو القيم الإنسانية في لبنان ليست بالبطء الذي نعتقد. في ما مضى كان التغيير يحتاج إلى مئات السنوات. ولكن مع مطلع القرن العشرين، أصبحت “الفكرة اللبنانية” تطوي التحديات بفواصل زمنية قصيرة. من يهمل مسار التاريخ لا يرى إلا أزمات تتلاحق كل عشر أو عشرين سنة،
وهذا صحيح، ولكن كل هذه الأزمات لم تُعِد عقارب الساعة إلى الوراء، والبطء مرده إلى عدم التصالح مع “الفكرة اللبنانية”، واليوم وحدها جماعة “الجمهورية الإسلامية في لبنان” تقف حجر عثرة أمام قيام الدولة الحديثة. لقد انتزعت جماعة الفصيل في “الحرس الثوري” الشيعة من مسارهم الطبيعي، لكأن الخمسين سنة الماضية فترة شواذ منعت انخراطهم في مشروع “الفكرة اللبنانية” وكانت لها أثمان باهظة عليهم وعلى الدولة، والأمور تتجه إلى زوال الشواذ البنيوي.
وإلى ذلك اليوم، ستزداد “الفكرة اللبنانية” غنى ثقافيًا، وسيدور كل صراع بما لا يهدد الكيان. لم يتأخر الموارنة والمسيحيون عمومًا عن الانخراط في معارك النهضة العربية، والتغيير الكبير، الثقافي قبل السياسي، الذي تشهده المنطقة لا بد وأن يعود ويتلاقى مع لبنان المعافى من أدران العقائد المستحيلة.
لمن ضاق صدره من المسيحيين ولا يرى الضوء الذي يزداد وهجًا ليتذكر القول الشهير “إنما النصر صبر ساعة”. وهذه الساعة تقترب.
الموارنة بين ألف سنة وصبر ساعة .









