المفاوضات محفوفة بخطر الحرب: نقاش إيراني بتجديد النظام

ما لا يحكى عن المفاوضات الإيرانية الأميركية وما تتناوله في العمق هو إحداث تغييرات هيكلية داخل إيران. قبل فترة، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: “يبدو أن ايران أصبحت بحاجة لتغيير قيادتها”. هو يتحدث عن تغيير ضمن بنية النظام وتغيير الوجهة السياسية لإيران. التدرج في مسار المفاوضات من النووي الى البالستي الى الحلفاء في المنطقة، سيوازيه تفاوض حول التغيير السياسي من الداخل. 

خلال حرب العراق على الكويت، دعا جيمس بايكر طارق عزيز في مفاوضات جنيف، العراق إلى الانسحاب من الكويت مقابل عدم اسقاط النظام. بعدها بساعات، عاد الأميركيون وأبلغوا العراقيين بأن لا مجال للاتفاق، وانخرطت واشنطن بالحرب.. هذا ما يفكر فيه الإيرانيون جيداً، سواء باحتمالات الحرب، أو بزيادة الضغط والحصار لتغيير من داخل النظام.. يبقى القلق قائماً من احتمال الضرب بالتزامن مع التفاوض. اليوم ينظر الإيرانيون إلى تجربتهم في العراق، وتجرع كأس السم من قبل الإمام الخميني، وينظرون إلى تجربة العراق منذ دخوله إلى الكويت وما بعدها، والسعي للوصول إلى تفاهمات مع الأميركيين، والتي انتهت بحصار مشدد وصولاً إلى الاجتياح وإسقاط نظام صدام حسين. وهذا بالتأكيد ما لا يريدونه أن يتكرر لديهم.

الوضعية الداخلية للنظام

عملياً، وفي ظل استمرار الترتيبات لمشاركة دول عديدة في المفاوضات الإيرانية الأميركية، والتي ستشارك فيها السعودية، قطر، مصر، سلطنة عمان والإمارات، فإن البحث يتركز حول كل السيناريوهات والاحتمالات والخيارات التي ستكون مطروحة للوصول إلى اتفاق. وهي لا تقتصر على النووي والصواريخ البالستية والنفوذ في المنطقة ووقف دعم الحلفاء، بل أيضاً تتصل بالوضعية السياسية الداخلية في إيران، ووجهة النظام الإيراني في العلاقة مع أميركا على مستوى التحالفات المرتبطة بالنفط والغاز، وعلى مستوى إعادة رسم ملامح النفوذ العالمي والسيطرة على ممرات الطاقة والموارد الطبيعية.

إشكالية حول المكان؟

المكان المعلن أساساً لعقد الاجتماع، الجمعة المقبل، هو اسطنبول. وكل الترتيبات كانت تصب في هذا الاتجاه. ولكن، ترددت عصر أمس معلومات عن تعقيدات جديدة تجلت بطلب إيران نقل مكان الاجتماع الى سلطنة عُمان، ورفضها مشاركة أي من الدول العربية والإسلامية التي وجهت إليها الدعوات. وبحسب مصادر مطلعة، فإن ذلك جاء نتيجة للتجاذب في الداخل الايراني حول مضمون المفاوضات اذ لا يوجد موافقة كاملة من جانب جهات عدة في النظام لتقديم التنازلات. وليلاً، أعلنت الخارجية الإيرانية أن خططاً للمفاوضات وضعت مع الولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة، وأن المشاورات جارية حول المكان. ولكن، لا يعد مكان المحادثات أو زمانها مسألة معقدة، ولا ينبغي أن يكونا أداة للمناورات الإعلامية.

تطورات عسكرية مفاجئة

لكن اللافت هو أنه، في ظل هذا “الغموض المحدود” حول جو التفاوض، طرأت أحداث وتطورات عسكرية لم يكن متوقعاً حصولها في مناخ التحضير للمفاوضات، أولها اعتراض ناقلة من قبل مسلحين في مضيق هرمز، وثانيها إسقاط الأميركيين لطائرة مسيرة اقتربت من حاملة الطائرات. وهذا التعثر احتاج الى اتصالات مكثفة لاحتواء الحادث، لأنه في حال عدم احتوائه فإن التصعيد سيصبح حتمياً، أو بالحد الأدنى فالأمور ستعود الى نقطة الصفر، وسط معلومات داخل إيران تعتبر انه لا يمكنها الثقة بالأميركيين، ويعتبر الايرانيون ان الأميركيين يصعبون الشروط لتنفيذ العملية العسكرية. وتتهم طهران إسرائيل بدفع واشطن نحو الحرب.

أدوار لدول جديدة

وتأكيداً لبيان الخارجية الليلي، فإن مصادر ايرانية كشفت لـ”المدن” ان طهران لم تطلب تغيير مكان الاجتماع، وأنها لا تمانع في عقد التفاوض في تركيا أو في سلطنة عُمان، كما ينفي الإيرانيون بشكل قاطع نيتهم استبعاد الدول العربية والاسلامية من حضور جلسة التفاوض وحصرها بهم وبالأميركيين فقط.

في أي حال، إن مجرد مشاركة هذه الدول في المفاوضات يعني أن الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي وتركيا قد نجحت في فرض نفسها على طاولة التفاوض بين واشنطن و طهران، وهذا مطلب طرح في العام 2015. أما الأساس اليوم، فهو أن هذه الدول ستكون جهات ضامنة لتطبيق الاتفاق في حال تم الوصول إليه. يؤشر ذلك الى دخول قوى جديدة إلى المسرح التفاوضي، بينما يتراجع دور الدول الخمس زائداً واحداً التي أبرمت الاتفاق النووي السابق، باستثناء روسيا التي لها دور أساسي حالياً. يشير ذلك إلى المنهج السياسي الذي يعتمده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منح أدوار لتركيا، أو لدول خليجية وعربية في ملفات دولية بدلاً من التعاون مع الدول الأوروبية حول ذلك. 

تسويات داخلية

مشاركة الدول العربية تعني حكماً البحث في الملف الإقليمي وعدم اقتصار التفاوض على الملف النووي. سيكون المسار التفاوضي متدرجاً من النووي الى الصواريخ البالستية الى النفوذ الإقليمي وتراجع إيران عن دعم حلفائها والضغط عليهم للانخراط بتسويات سياسية داخل دولهم. فتركيا، قطر، السعودية وأميركا ينسقون لأجل الوصول الى تثبيت وقف اطلاق النار في غزة، والوصول الى حل لسلاح حركة حماس. هذا التنسيق يمكن أن يكون له أثره على لبنان في موضوع سلاح حزب الله، مقابل سعي هذه الدول للحصول على ضمانات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والدخول في مسار سياسي لبناني داخلي. كما أن نجاح المفاوضات سينعكس على العراق ويدفعه نحو تسوية في رئاسة الحكومة، والبت بمصير ترشيح نوري المالكي والتفاهم على البديل.

إسرائيل تضغط

في المقابل، فإن اسرائيل تمارس كل ضغوطها لإفشال أي اتفاق، والسعي لتدمير المشروع البالستي وإسقاط النظام في إيران. الأكيد أن أميركا ستستخدم حشدها العسكري للضغط أكثر على إيران ودفعها الى التنازل وسلوك طريق التغيير من داخل النظام وبنيته. ذلك لا يمنع استخدام القوة العسكرية في أي لحظة تتعثر فيها المفاوضات، أو تعتبر واشنطن أنها تحتاج لاستخدام القوة العسكرية لتغيير الموازين السياسية وفرض مسار جديد في المفاوضات والتنازلات. احتمال توسيع الحرب او تصاعدها يبقى قائماً ما لم يتم الوصول الى ارضية مشتركة.

تجرّع كأس السمّ

الأكيد أن الكثير من المسؤولين الإيرانيين لا يريدون إيصال الأمور إلى مستوى الانفجار، فالبلاد لا تحتمل خوض حرب ولا الدخول في صراعات. كما أن المقربين من المرشد يعملون على إقناعه بضرورة التنازل، ولو كان ذلك شبيهاً بتجرع كأس السم لحفظ البلاد والنظام. 

بحسب المعلومات، فإن عدداً من المعارضين، أو من أبرز وجوه الثورة الخضراء، ولا سيما مير حسين موسوي ومهدي كروبي، قد بدأوا بإيصال رسائل وإشارات إلى ضرورة البحث في تنحي المرشد علي الخامنئي. وهذا مستجد داخلي إيراني ليس له أي سابقة، لأن الجهات التي تطرح الفكرة هي التي تُعتبر المعارضة الشرعية الموجودة في إيران. وهو ما يخيف النظام الإيراني، لأنه يعتبر ذلك بداية زعزعة للبنية المركزية والأساسية للنظام، والتي قد تبدأ فتح أبواب التغيير الدستوري. 

توزيع الصلاحيات

في المقابل، هناك خيار بديل على المستوى السياسي وبنية النظام، يتصل بالسعي إلى توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة، وأن لا تبقى الصلاحيات الأساسية محصورة بيد المرشد وفريق عمله. وهنا تتعلق المفاوضات بالسعي إلى إعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في ملف التفاوض والقدرة على اتخاذ القرارات فيها. أما على المستوى العسكري، فهناك سعي لإعطاء دور أساسي للجيش الإيراني على حساب الحرس الثوري. 

خيار العملية العسكرية قائم

يريد الإيرانيون وضع السكة التفاوضية لتجنب الحرب وإبعادها، بعد المراكمة على عملية التفاوض، من خلال الاستعداد لتقديم تنازلات، أبرزها يتصل بالملف النووي. ولدى المسؤولين الإيرانيين قناعة بإمكانية الوصول إلى تفاهمات بشأنها، إن لجهة إخراج كميات اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية إلى الخارج، أو حتى التخصيب للأهداف السلمية خارج إيران مرحلياً. لكن المشكلة تبقى قائمة حول ملف الصواريخ البالستية، وهو ما تسعى إسرائيل إلى تدميره، ولو أدى ذلك إلى استدراج الأميركيين للدخول في حرب جديدة. تريد إيران سلوك طريق المفاوضات لإبعاد الضربة، بينما ستبقى أميركا تلوح بالعملية العسكرية لإنجاز ما يريدونه. 

المفاوضات محفوفة بخطر الحرب: نقاش إيراني بتجديد النظام .

هل تفعلها أميركا هذا السبت؟

في حسابات الدول وخصوصًا العظمى منها، لا يُترك التوقيت للصدفة. فكما تُحسَبُ كلمات البيانات والتصاريح، كذلك تُقاس الساعات والدقائق واختيار الأيام قبل إطلاق أي عمل

Read More »
Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...