تتصدر مسألة المحاسبة الشرط الضروري لفتح أبواب المساعدات والاستثمارات الخارجية، وينبغي أن تكون المحاسبة بين أولويات هذا الشرط. ولن يستقيم أي إصلاح من دون محاسبة، بل سيشكل فرصة لارتكاب المزيد من الموبقات والمخالفات وعودة إلى تفشي الفساد في مفاصل الدولة على مختلف المستويات.
ولا تقتصر المحاسبة على تشريعات وقوانين جديدة، بل تتضمن الالتزام بتطبيق القوانين النافذة واتباع الأصول الإدارية والقضائية، لكن ذلك كله غير ممكن إذا لم يتوافر له القرار السياسي الحاسم والحازم، فضلًا عن سلطة قضائية مستقلة ونزيهة وشفافة بالحد المعقول والمقبول. وتاليًا إن الإصلاح يبدأ بتحرير القضاء من الضغوط والتهويل والابتزاز، ومن المغريات المادية أو المرتبطة بالمناصب ومواقع النفوذ، حتى لو اقتضى ذلك إجراءات تأديبية أو قرارات لمحاسبة بعض المشتبه بهم في الجسم القضائي نفسه.
على أن بعض الإشارات، يوحي بأن طريق المحاسبة صعب ومعقد، ويرتبط بحسابات سياسية وطائفية ومصلحية، إذ لا يكفي أن يكون رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة ومجموعة من الوزراء عازمين على الإصلاح الجدي من باب المحاسبة كما من باب التطهير الإداري وتفعيل المؤسسات وضبط مسارب الهدر والمحسوبيات، وقطع دابر المحاصصة والصفقات وتفعيل الرقابة، بل ينبغي أن يملك الحكم والحكومة الإرادة الكافية والثابتة لخوض هذا التحدي بدءًا بتوسيع إطار المحاسبة والمساءلة في ملفات كبيرة وثقيلة، كانت من أسباب الوصول إلى الانهيار المالي كما يقول مسؤول كبير في مؤسسة دولية تعنى بالرقابة ومكافحة الفساد.
ومن تلك الملفات بل في مقدمها، ملف الطاقة والمياه وما يتفرع منه، باعتبار أنه الملف الذي استهلك القسم الأكبر نسبيًا من الدين العام وساهم في انهيار الخزينة والمالية العامة، من دون إهمال ملفات أخرى تتعلق بالاتصالات وتلزيمات المشاريع العامة والتهرب الضريبي والجمركي والاستيلاء على الأملاك العامة وبعض الارتكابات المالية والنقدية بعد اندلاع الثورة.
ولعل من أسوأ النماذج لتبرير الفساد هو ترداد جهة حزبية تولت السلطة بعد انتظار، أن “ذنبنا مغفور لأن من سبقنا ارتكب وأهدر الكثير، فكيف يحق له ما لا يحق لسواه”. وهذا المنطق هو ما يستدعي الخشية من تغييب المحاسبة، علمًا أن بعض الملفات مر عليه الزمن أو بات طي النسيان، سواء خلال عهد الوصاية السورية أو ما بعدها. ومن الأمثلة الضجّة التي رافقت في حينه، تلزيم الأوتوستراد الساحلي في الجنوب، بكلفة نحو أحد عشر مليون دولار للكيلومتر الواحد لصالح شركة “قاسيون” السورية التي أرسي الالتزام عليها، فيما لم تتجاوز كلفة الكيلومتر الواحد من بيروت إلى صيدا المليون ونصف المليون، وكانت الحجة لتبرير ذاك الرقم أن التضاريس جنوبًا أصعب وتضم الكثير من المنحدرات، وقد أطلق الرئيس سليم الحص آنذاك، موقفًا جريئًا استغرب فيه الفارق الهائل، إذ يمكن فهم كلفة مضاعفة، أما أن تكون الكلفة نحو سبعة أضعاف، فالقصة تقتضي المساءلة. وثمة مثل آخر لما كان يحصل من تلزيمات عشوائية لبناء مدارس رسمية لا سيما في الجنوب والبقاع، في عهد وزير للتربية عُرف بارتباطه بالنظام السوري، حيث تم تشييد عشرات المدارس تحت السقف الأدنى من المواصفات، بحيث ذهب جزء كبير من المبالغ المرصودة إلى الجيوب، وتبين مدى هشاشة البناء وحالته السيئة بعد سنوات قليلة.
وكم من الملفات ذهبت أدراج الرياح، علمًا أن ملف الطاقة والمياه خلال العهود المتعاقبة للوزراء السابقين على مدى بضعة عشر عامًا، يحفل بالارتكابات والصفقات المشبوهة والهدر، على أنه تم كما تبيّن إخفاء الكثير من الأدلة والقرائن والوثائق لتعقيد أي محاولة للمحاسبة. وليس من السهل حتى في حال فتح باب التدقيق الجنائي كما ألمح الوزير جو صدّي، كشف بعض الحقائق بطريقة علمية ودقيقة، علمًا أن التدقيق في هذا الملف مُكلف ويقتضي قرارًا من مجلس الوزراء. ولكن على الأقل يمكن تبيان الأسباب الكامنة وراء عرقلة بناء معامل أرضية على رغم العروض السخية من شركات أجنبية محترمة، مع الأخذ في الاعتبار أنه تمت الإطاحة مرتين بمناقصة دير عمار لأسباب واهية ومفتعلة، رغم التأكيد بأن المناقصة الأولى كانت سليمة، ولم تشبها شائبة، بينما المناقصة الثانية، أطيحت بحجة الخلاف على من تقع كلفة الضريبة على القيمة المضافة، وكأن من وقع عقد التلزيم من قبل وزارة الطاقة والدولة اللبنانية هو هاوٍ أو جاهل. أما في موضوع البواخر التركية، فثمة حاجة إلى المحاسبة حول جوانب عدة فيها، لا سيما بوجود حيثيات وتسجيلات تطرح على الأقل علامات استفهام حول مبالغ كبيرة تبخرت، علمًا أن من أخذته الحماسة في حينه لاستجلاب البواخر هو نفسه الذي سبق ورفض بشدة هذا الخيار في أكثر من تصريح موثق.
المحاسبة جزء من الإصلاح الجذري ولكن… “الطاقة” بين حقائق مهملة وأخرى برسم التدقيق الجنائي .












