تشهد “القوات اللبنانية” في المرحلة الحالية حركة داخلية لافتة على مستوى الترشيحات للانتخابات النيابية المقبلة، ما فتح باب التساؤلات عن خلفيات تبديل بعض النواب، والمعايير التي يعتمدها الحزب ومن قد يطالهم التغيير لاحقاً. غير أن ما يجري داخل معراب، وفق المعطيات المتوافرة، لا يقرأ في سياق أزمة أو تصدع داخلي، بل في إطار مقاربة تنظيمية تعتبرها القيادة “عاملاً صحياً وطبيعياً في الأحزاب التي تتعامل مع الاستحقاقات الانتخابية بواقعية سياسية وتقنية”.
في صفوف “القوات”، يُنظر إلى مسألة تبديل النواب من زاوية مرتبطة بطبيعة كل دائرة انتخابية وتركيبتها الديموغرافية، وحسابات الحواصل والتحالفات. فالمعيار ليس شخصيا ولا عقابيا، بل هو انتخابي بحت، تحكمه الأرقام والقدرة على خوض المعركة بأكبر قدر من الفاعلية. هذا ما تؤكده تجربة انتخابات 2022، حين جرى استبدال عدد من النواب، من بينهم عماد واكيم وفادي سعد ووهبي قاطيشا، وتمت العملية بسلاسة ومن دون أي ارتدادات تنظيمية تُذكر.
وتتوقف أوساط “قواتية” عند ظاهرة أنطوان زهرا تحديداً، إذ غاب عن الندوة البرلمانية دورتين متتاليتين، لكن حضوره السياسي والإعلامي بقي فاعلاً ومتقدماً أحيانا على نواب حاليين. هذه التجربة تُستخدم دليلا داخليا على أن الموقع النيابي ليس معيار الحضور السياسي في الحزب، وأن “الدور” يمكن أن يتبدل، من دون أن يعني ذلك تراجعاً في الموقع التنظيمي أو الرمزية السياسية.
في هذا السياق، يستشهد بكلام النائب ملحم الرياشي الذي شبّه العمل الحزبي بالحياة الرهبانية قائلاً: “نحن كالراهب في الدير، أحياناً يكون رئيسا للدير وأحيانا راهبا في الحقل”. هذا التشبيه يلخّص فلسفة “القوات” في إدارة المواقع: لا أحد يحتكر المقعد، ولا أحد يُقصى بالمعنى السياسي، بل هناك تداول أدوار وفق مقتضيات المرحلة.
أما عن آلية اتخاذ القرار، فتشير المعلومات إلى أن “الجوجلة” تحصل على مستوى المناطق، انطلاقاً من قراءة دقيقة للأرقام، ونتائج الانتخابات السابقة، وحجم الكتلة الناخبة، وطبيعة التحالفات الممكنة. وما حصل عام 2022 يُعدّ نموذجاً يُبنى عليه، حيث أُنجزت التبديلات من دون أي انقسامات أو تمرد داخلي، في مشهد نادر في الحياة الحزبية اللبنانية.
وفي شأن ما يُحكى عن معيار التمويل والبحث عن شخصيات متمولة، تنفي الأوساط “القواتية” أن يكون العامل المادي معياراً حاسماً. وتستشهد بوجود نواب أو مرشحين أو شخصيات حزبية أوضاعهم الاقتصادية عادية جداً، من بينهم بيار بو عاصي وأنطوان حبشي وسعيد الأسمر. وتؤكد أن “الحكي ما عليه جمرك”، وأن التجارب السابقة أثبتت أن الحزب لا يعتمد معيار الثروة في اختيار مرشحيه.
المعيار الأساسي بحسب المعلومات، يرتبط بمزيج من الالتزام الحزبي، والحضور الشعبي في الدائرة، والقدرة على إدارة المعركة الانتخابية، والانسجام مع الخيارات السياسية العامة. من هنا، فإن أي تبديل مقبل سيأتي في هذا الإطار، لا في سياق تصفية حسابات أو إعادة رسم توازنات داخلية.
هل يطال التغيير أسماء إضافية؟ تفيد المعطيات بأن كل المقاعد قابلة للمراجعة وفق الحسابات الانتخابية، لكن القرار النهائي لم يُحسم بعد في عدد من الدوائر، في انتظار تبلور صورة التحالفات. والثابت حتى الآن أن “القوات” تتعامل مع الاستحقاق بعقلية هجومية، هدفها الحفاظ على كتلتها النيابية أو زيادتها، ولو تطلب الأمر إعادة توزيع الأدوار داخل البيت الواحد.
في المحصلة، ما يجري في معراب يبدو أقرب إلى إعادة تموضع مدروسة منه إلى عملية إقصاء. هو اختبار جديد لقدرة الحزب على إدارة التداول الداخلي بهدوء، في بلد اعتاد أن تتحول فيه الترشيحات إلى ساحات صراع مفتوحة.
“القوات”: تبديل مدروس للمرشحين أو إعادة تموضع انتخابي؟ .











