لا يزال القطاع الصحي في لبنان يشكّل أحد أعمدة الصمود في اقتصادٍ أنهكته الانهيارات. فالسياحة الطبية، التي لطالما كانت عنوانًا لدور لبنان التاريخي كـ “مستشفى الشرق”، تعود اليوم إلى الواجهة بوصفها رافعة اقتصادية محتملة، تجمع بين جودة الخدمات الطبية، وكفاءة الكوادر البشرية، والسمعة العلمية التي راكمها الأطباء والجامعات اللبنانية في الداخل والخارج. غير أن قدرة لبنان على استعادة هذا الدور لم تعد مسألة بديهية في ظل منافسة حادّة تقوم على استثمارات ضخمة، وبنى تحتية حديثة، وحملات ترويج دولية منظمة. فهل لبنان قادر على التحدي؟
مؤتمر وطني لتطوير استراتيجية السياحة الطبية في لبنان نظمته كلية الطب والعلوم الطبية في جامعة الروح القدس في الكسليك بالتعاون مع مستشفى سيدة المعونات الجامعي، رسم الأطر المطلوبة لتجديد دور لبنان كمستشفى الشرق وسلط الضوء على العراقيل التي تواجه هذا الدور وسبل تخطيها. التحدي كبير والتغني بالتاريخ وحده لم يعودا كافيين، والتميّز الإنساني كما الكفاءات الطبية على أهميتها لم تعد كفيلة وحدها بتأمين هذا الدور الذي بات يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تستند إلى الماضي، لكنها تنظر إلى الحاضر وتعالج ثغراته وتتهيأ للغد ومتطلباته التكنولوجية وتجول بنظرها نحو الدول المحيطة سعيًا للتكامل والتعاون والتميز لا للمنافسة .
وزير الصحة د. ركان ناصر الدين رأى في كلمته أن لبنان يتمتع برصيد كبير على الصعيد الصحي تعاونت على جمعه المستشفيات والجامعات اللبنانية، ويمكن البناء عليه لرسم استراتيجية تعزز دور لبنان في مجال السياحة الصحية. لكن ذلك لم يكن كافيًا وحده للحفاظ على سياحة طبية مستدامة، إذ ساهمت الأزمات المتلاحقة في جعل لبنان يخسر السائح الاستشفائي، إذ بعدما بلغت نسبة المرضى العراقيين على سبيل المثال في أحد المستشفيات 30 % خسر لبنان هذه النسبة لأنه لم يعمل بشكل ممنهج لوضع استراتيجية واضحة تهتم بالسائح منذ لحظة وصوله إلى المطار حتى انتقاله إلى الفندق وصولاً إلى المستشفى لتلقي العلاج. استراتيجية، لا يمكن أن تلقى على عاتق وزارة الصحة وحدها، بل تتطلب تضافر جهود وزارات عدة لوضع مسودة أولية لاستجلاب وتسهيل السياحة الطبية وتعزيزها. لبنان الذي تلقى ضربة كبرى مع خسارة حوالى 40 % من أطقمه الطبية والتمريضية الذين غادروه في سنوات الأزمة، بدأ يستعيد هؤلاء بشكل كبير. كما أن زيادة الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي بمعدل خمسة أضعاف مع سعي إلى زيادة جديدة في الموازنة الحالية، لا بد سينعكس إيجابًا على الخدمات الصحية ككل، ما يدفع بلبنان إلى الأمام في طريق السعي لاستعادة دوره في مجال السياحة الصحية ويضعه مجددًا في إطار المنافسة.
من جهتها وزيرة السياحة لورا الخازن لحود، رأت في كلمتها أن السياحة الطبية إذا ما أديرت كسياسة عامة متكاملة، فهي قادرة على أن تتحول إلى محرك اقتصادي مباشر وجسر بين لبنان والعالم، خاصة أن لبنان يملك مخزونًا صحيًا قويًا يشكل أساسًا يمكن البناء عليه. ومن يختار لبنان، يختار بلدًا يثق بأنه سيحميه ويحتضنه ويرحب به، ورغم المنافسة القوية من المحيط، إلا أن لبنان يمتلك نقاط قوة كبيرة وقادر على المنافسة في مجال طب القلب والتجميل كما في طب الأسنان وفي العلاج النفسي. ويضاف ذلك إلى تميز علمي وفهم ثقافي ولغوي وقدرة على الإصغاء لا سيما بالنسبة للمرضى العرب بحيث تتضافر كل هذه الأسباب لجعله وجهة سياحية طبية مرغوبة. ووزارة السياحة قادرة على لعب دور ترويجي وتسويقي في هذا المجال يتكامل مع دور وزارة الصحة.
لكن مع التأكيد على نقاط القوة، لم تغفل الوزيرة لحود المعايير الشفافة التي يجب العمل عليها لتعزيز السياحة الطبية، فلبنان لا يزال يحتاج إلى تأمين جو من الثقة للسائح وخدمة ذات معايير عالية الجودة مع استقبال منظم له. وخلق الثقة، يتطلب مجموعة من الشروط منها: وجود معلومات شفافة حول المستشفيات والخدمات الطبية، وتسعير واضح، وحقوق مريض محددة ومحفوظة، وقدرة على المتابعة في ما بعد مع القطاع الاستشفائي وكذلك مع السفارات وشركات التأمين …
وتبقى الثغرة الأساسية، غياب قاعدة بيانات واضحة يتمّ على أساسها بناء استراتيجية متكاملة، تجيب على أسئلة أساسية مثل: البلدان التي يأتي منها السياح، الاختصاصات التي يطلبونها، مدة الإقامة، أين يمضون فترة النقاهة، كلفة العلاج، نسبة الرضى والنقاط التي يجب تحسينها . حين تتوافر قاعدة المعلومات هذه، يصبح من الممكن وضع رؤية واضحة وملء الثغرات. رؤية ترتكز على وضع معايير جودة مرتبطة بالتجربة الكاملة للمريض من المطار إلى المستشفى والنقاهة فالمتابعة، مع إجراءات دخول مسهلة وآليات تواصل تساهم في جعل لبنان جهة آمنة وموثوقة. كما ترتكز من جهة أخرى، على بنية تسويق وطنية تستهدف الاغتراب اولًا، والمنطقة العربية ثانيًا، والأسواق المتخصصة التي تبحث عن الكفاءة المتميزة على صعيد الاختصاصات الطبية إضافة إلى التعاون الوثيق مع الجامعات. واعتبرت الوزيرة لحود أن السياحة الطبية قطاع يحرّك الفنادق والمطاعم والنقل والمهن الصحية كافة، وهو مرآة للتعافي والنمو حين تكون المعايير واضحة والإجراءات محترمة.
بين النوستالجيا واستراتيجية واضحة المعالم
رغم الإرث الطبي الذي يحمله لبنان، هل لا يزال قادرًا على المنافسة في محيط خطا خطوات جبارة إلى الأمام؟ مجموعة من أهل الاختصاص سعوا خلال المؤتمر إلى الإجابة على هذا السؤال بعيدًا من النوستالجيا والآمال الزائفة وبرؤية علمية ومهنية واضحة المعالم.
د. ريما مطر نائبة رئيس جامعة الروح القدس الكسليك، رأت أن لبنان يعيش اليوم المومنتوم المناسب لإطلاق استراتيجية السياحة الطبية معتمدًا على إرث غني يجمع بين التعليم والتدريب والمهنية والتميّز والصيت الحسن المبني على براعة ناسه، كما إنه مستعد للتحدي والمنافسة في مجال السياحة الطبية التي تشكل فرصة له ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل فرصة للاستدامة في نظامه الصحي، على أن تقوم الاستراتيجية الموعودة على التعاون بين المستشفيات والجامعات والحكومة وصناع القرار.
د. وديع مينا الخبير في اقتصاديات الصحة، رسم إطارًا أوضح لمعنى ومتطلبات السياحة الطبية والصحية التي كانت في السابق تتم من الدول الفقيرة نحو الدول الغنية، لكنها باتت اليوم تتم بصورة عكسية من الدول الغنية نحو مراكز طبية خاصة ومتخصصة معروفة بتقديماتها المتميزة. المريض اليوم في الدول الغنية، يواجه عدة معضلات منها ارتفاع كلفة العلاج كما في الولايات المتحدة، وطول مدة الانتظار لتلقي العلاج أو إجراء الفحوصات كما في المملكة المتحدة، إضافة إلى عدم توافر بعض الاختصاصات الصحية لا سيما الدقيقة منها حتى في أرقى البلدان. وقد باتت دول عدة اليوم مشهورة بكونها منصة للسياحة الطبية مثل تركيا التي يزورها 22 مليون سائح سنويًا لأهداف طبية أو الهند وتايلاند وفي المنطقة الأردن والسعودية والإمارات. وتحوّلت السياحة الطبية إلى نوع من التبادل التجاري بين البلدان. فلبنان مؤهل بشكل كبير لتصدير كفاءاته وخدماته والاستفادة من المعضلات التي يواجهها المريض في بلده، واستيراد السائح الأجنبي مقابل ذلك، شرط أن يلتزم بمعايير محددة أخلاقية وقانونية تحدد حقوق المريض لا سيما في حال حصول أخطاء طبية ومعايير عملية تسهل آلية المتابعة بعد العلاج ونقل ملف المريض إلى بلده وغيرها…
ولكن رغم الفائدة الاقتصادية للسياحة الطبية ودورها في تطوير القطاع الصحي وفي النمو العام، إلا أن ثمة مخاطر لا بد من أخذها بالاعتبار في بلد مثل لبنان، مثل تفضيل السائح الأجنبي على المريض اللبناني واعتماد معيارين مختلفين للمريض اللبناني والسائح الوافد وإيلاء الحكومة الأولوية لهذه الناحية على حساب أجندة الصحة العامة.
من هنا، يؤكد د. نسيب نصر المدير العام لمستشفى اوتيل ديو، أن السياحة الصحية بحاجة إلى مرافقة حكومية حثيثة. وعلى الدولة أن تكون الجهة الراعية والكافلة التي تضمن حقوق المريض من خلال إقرار تشريعات تحدد معنى السياحة الطبية ومسؤولية المستشفى والطبيب والمريض والكلفة والأهم تضمن ألا يتم استغلال المريض والضحك عليه، واستغلال السياحة الطبية كنشاط تجاري.
السيدة أليس يمين بويز رئيسة اتحاد المستشفيات العربية ونائبة رئيس المجلس العالمي للسياحة الطبية، اعتبرت أن البلدان العربية تعمل جاهدة لتفعيل قطاع السياحة الطبية ولا بد للبنان أن يضع استراتيجية وطنية لتفعيل دوره في هذا المجال لا سيما أن مستشفياته هي مستشفيات بطلة استطاعت الصمود في وجه أعتى الأزمات والمبادرات الفردية لم تعد كافية. وأوردت بويز بعض الأرقام قائلة إن العرب ينفقون حوالى 20 مليار دولار للطبابة في الخارج أي يصدرون 20 مليارًا ويستوردون 3 مليارات فقط ما يخلق فجوة بقيمة 17 مليارًا ينبغي للمستشفيات أن تستردها وهنا يأتي دور لبنان. فهو بحاجة إلى الاندماج والعمل مع الدول الأخرى وبناء علاقة ثقة وتميّز معها مع وجود استراتيجية واضحة وقائد يديرها ويشرعن إطار عملها إضافة إلى وجود قوي في السوق الصحي.
برأي بويز يبدأ التنسيق من تسهيل عملية إصدار الفيزا للمرضى، و يُحكى اليوم أن وزراء الصحة العرب يعملون للوصول إلى تأشيرة صحية خاصة لمدة 90 يومًا، ومن ثم تنظيم الخريطة الصحية العربية للمستشفيات بحيث تتوضح الاختصاصات ويتم التعاون بين المستشفيات وتحويل المرضى في ما بينها ما يخفف من المنافسة ويؤدي إلى المزيد من الشفافية. على الصعيد المحلي، لا بد من التنسيق بين الوزارات والسعي لاستهداف الدياسبورا اللبنانية لتكون خميرة هذه السياحة الطبية والتسويق للأمر بشكل كبير، لا سيما أن لبنان لا يزال من أرخص الدول في العالم حيث جراحة القلب المفتوح فيه لا تتعدى كلفتها 35000 دولار فيما تصل في الولايات المتحدة إلى 150000 دولار. فلبنان قادر بمهاراته الطبية وتميزه في مجالات طب القلب والجراحة التجميلية والخصوبة وطب التجميل ومهاراته اللغوية وصيت جامعاته العالمي الذي يحاكي أعلى المستويات العالمية وقربه الجغرافي من دول الخليج العربي على اجتذاب السياحة الطبية.
لبنان على الطريق السليم والحكومة تعمل على وضع استراتيجية واضحة المعالم تمتد على مستويات ثلاثة: قصير، متوسط وطويل، كما أشارت د. راشيل مشنتف مستشارة السياحة الطبية في وزارة الصحة، وتعمل على مستوى الإدارة والتسويق ليتمكن لبنان من إدارة هذا القطاع بشكل فعال يعتمد على حوكمة واضحة تتمثل بهيئة مستقلة قادرة على وضع القوانين والأنظمة وتحديد المعايير المطلوبة accreditation criteria التي تحاكي المعايير المعمول بها عالميًا، وخلق بنى تحتية لخدمة المريض مثل إنشاء أجنحة خاصة للمرضى الأجانب وتأمين خدمة الترجمة ومساعدة المريض وتنسيق عملية إقامته، إضافة إلى استراتيجية تسويق ترتكز على أسس رقمية تواكب التقدم التكنولوجي والتواصلي، وتعاون مع السفارات ووكالات السفر وشركات التأمين والأهم تأمين الاستمرارية لهذه الاستراتيجيات وبناء الصورة التجارية لقطاع السياحة الطبية مع كل ما يتطلبه ذلك من حضور الكتروني وإنساني على كل المستويات محليًا و عالميًا.
لكن رغم كل ذلك، تبقى ثمة ملاحظات لا بد من أخذها بالاعتبار. فالقطاع الصحي في لبنان، نما بلا ضوابط أو خطط، وهو اليوم بحاجة إلى معايير وإصلاحات وحوكمة وآلية لحماية المرضى وأخرى لفض النزاعات،كما إنه بحاجة إلى هيئة ناظمة تحدد من هي المستشفيات القادرة على استقبال مرضى من الخارج، وما هي المعايير التي تؤهلها لذلك، وأن تجمع الداتا المطلوبة على كل المستويات لتكون قادرة على التحسين حيث يجب.
الطريق طويل ويحتاج إلى تعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص. والعمل، لا على القطاع الطبي فحسب، بل على القطاعات المصرفية والمالية والأمنية والاستثمارية والتقنية والإدارية وعلى البنى التحتية من ماء وكهرباء. وهو يحتاج بشكل خاص إلى حماية مرضاه في الداخل والخارج من الفساد والاستغلال اللذين باتا سوسة تنخر في جسم النظام اللبناني.
السياحة الطبية في لبنان تفاؤل حذر واستراتيجية منتظرة .












