بينما كانت طرابلس تشيّع ضحايا الإهمال والتقاعس وتحاول لملمة الجروح الجديدة التي أحدثتها كارثة باب التبانة، وبالتزامن مع حالة الاستنفار التي أعلنتها الحكومة لمواجهة تداعيات المأساة ومنع تكرارها، برز مشهدان وخطابان سياسيان.
الأول من خلال المواقف التي أطلقها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في عظة قداس عيد مار مارون، والثاني ما تضمنه خطاب أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، خلال حفل افتتاح مركز طبي في الحدت.
فالراعي أكد الدعم الكامل للدولة وقراراتها، حين قال أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري: “نصلّي كي تتمكّنوا مع معاونيكم في السلطتين التشريعية والإجرائية، من حصر السلاح، وتطبيق وقف إطلاق النار والقرار 1701، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وبسط كامل سيادة الدولة اللبنانية على جميع أراضيها، وتمكين الجيش من تنفيذ خطّته، والقيام بعملية إعادة الإعمار، وإجراء الإصلاحات”.
في المقابل، عاد قاسم لمهاجمة قرار 5 آب التاريخي بحصر السلاح واصفًا إيّاه بـ “المشؤوم”، واتهم الخارج بممارسة ضغوط على رئيس الجمهورية جوزاف عون لإحداث شرخ بينه وبين “الحزب”، وقال “ما حدا يلعب بيننا وبين الرئيس عون”. كما ثمّن قاسم زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، معتبرًا أن أهم ما فيها أنه قال “سنعمّر ولن ننتظر توقف العدوان”.
هذا ونفى وجود أي خلاف بين “الحزب” و”حركة أمل” مشيرًا إلى أنّ التحالف متجذّرٌ بينهما.
مصادر سياسية متابعة علّقت عبر “نداء الوطن” بالقول إنّ خطابَي الراعي وقاسم، ظهّرا أكثر التباعد المستمرّ بين منطقين اثنين، الأوّل داعم للدولة، والثاني مراهن على الدويلة.
وأشارت المصادر نفسها، إلى أن دعم الكنيسة المارونية لخطة حصر السلاح يشكل دفعًا للعهد والحكومة من أجل استكمال مهام بسط سيطرة الدولة في شمال الليطاني، أمّا بالنسبة لنعيم قاسم، ورغم محاولته الإيحاء بالتهدئة، إلا أن مضمون خطابه لم يتغيّر، حيث أنه لم يقدم على أي خطوة إيجابية باتجاه التعاون الذي تطلبه الدولة من “الحزب”.
وبحسب المصادر، فإنّ ما يطرح علامة استفهام أنّ قاسم حاول خداع جمهور الممانعة حين أوحى لهم بأنّ الدولة اتخذت القرار ببدء عمليات إعادة الإعمار حتى قبل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وهذا الأمر غير ممكن لأنّ إعادة الإعمار لن تنطلق قبل تسليم السلاح، وهذه رغبة المجتمعين العربي والغربي.
وتابعت المصادر السياسية، أنّه بناء على هذين الخطابين، يمكن القول إن هناك دولة قائمة وعليها استكمال عملها وقرارها في قصر بعبدا ومجلس الوزراء، وليس لدى نعيم قاسم. أمّا سعيه لإظهار عدم وجود خلاف مع كل من عون وسلام، في ظل هجمات نواب الحزب المستمرة عليهما، فيثبت الانقسام الحاصل داخل “حزب الله” ووجود أكثر من ذراع فيه، ما يؤكد أنه بعد اغتيال نصرالله بات الحزب يفتقد إلى حصرية القرار.
وسط هذه الأجواء، لا يزال لبنان يترقب ما سيتمخض عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية، لمعرفة البوصلة السياسية والأمنية والعسكرية في إيران والتي ستؤثر حكمًا على الوضع في لبنان، الذي يبدو أنه لا يزال مرتبطًا بتطورات المنطقة بما أن “حزب الله” لا يزال غير متعاون في ملف حصر السلاح.
وداع وإجراءات احترازية
تطورات الملفات السياسية، لم تحجب الأضواء عن مأساة “الفيحاء” التي ودّعت ضحاياها، وبعضهم من عائلة واحدة، وسط أجواء خيّم عليها الغضب وصرخات الاستنكار من الإهمال المتواصل.
رئيس الحكومة واكب هذه الكارثة الإنسانية الجديدة، باجتماع موسّع في السراي الحكومي، استمرّ نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة، تحدث بعده الرئيس سلام، معلنًا عن قرار أصدرته بلدية طرابلس بإخلاء المباني المعرّضة للسقوط وعددها 114، وذلك على مراحل في مهلة لا تتجاوز الشهر، على أن يتم تأمين بدل إيواء للعائلات التي يتم إخلاؤها لمدة سنة تدفع فصليًا.
تهنئة أميركية
وسط هذه الأجواء، هنأ قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، في بيان، الجيش اللبناني “لعثوره أخيرًا على نفق ضخم تحت الأرض تابع لـ “حزب الله”، وذلك للمرة الثانية خلال الشهرين الماضيين. وأضاف أن تفكيك الأنفاق التي تُستخدم بشكل خفي من قبل جهات غير حكومية لتخزين الذخيرة والصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية يعزّز السلام والاستقرار في لبنان وفي أنحاء المنطقة”.
خطف واستهداف جديد
جنوبًا، سجّل تطوّر أمني بارز، مع تسلّل الجيش الإسرائيلي إلى بلدة الهبارية واختطاف مسؤول “الجماعة الاسلامية” في حاصبيا ومرجعيون عطوي عطوي.
كما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في بلدة يانوح، ما أسفر عن سقوط 3 قتلى بينهم طفل كان مع والده، صودف مرورهما قرب السيارة المستهدفة.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف في الغارة أحد مسؤولي المدفعية في “حزب الله” أحمد علي سلامي.
الراعي يدعم الدولة وقاسم يراهن على “الدويلة” .










