لا تتعلق التغييرات التي يشهدها حزب الله في الداخل، من خلال الإجراءات والتعيينات التي يتم إقرارها، بمسألة توزيع مراكز القوى والنفوذ داخل الحزب، ولا ترتبط بسعي الأمين العام الشيخ نعيم قاسم لتمكين المقربين منه والإمساك بالمفاصل الأساسية. تبدو المسألة أبعد وأعمق من ذلك، وتتصل بحجم التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة وتفرض نفسها على الحزب وتلزمه التماشي مع متغيّراتها. وانطلاقاً من معادلة الرجال أدوار، فإن اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرلله كان من أحد أهدافه إحداث تغيير جوهري في دور الحزب وموقعه ودور المحور الإيراني ككل.
سعي إلى التكيّف
إنها لحظة التحولات الكبرى على مستوى المنطقة ومن ضمنها لبنان بالنسبة إلى حزب الله. وهو يسعى إلى التكيف مع الوقائع الجديدة للحفاظ على الوجود وحماية بيئته وطائفته من أي حرب جديدة أو من أي عملية تهجير. ذلك ما يضاعف حجم المسؤوليات والتحديات الملقاة عليه، خصوصاً أنه موقن لآثار تضييق الخناق المالي عليه من خلال سياسات واضحة لمنع وصول الأموال ومنعه من الاستفادة اقتصادياً في المستقبل، بما يتيح له إعادة إنتاج دورته الاقتصادية الخاصة، وذلك يترافق مع الحصار الخانق في الموضوع العسكري، وصولاً إلى ضغوط دولية وداخلية حول الاتجاه لاتخاذ قرارات تتصل بتفكيك تنظيمه العسكري والأمني.
ملف حلفاء إيران
يعلم الحزب أيضاً، أن إيران لم تعد في وضعيتها السابقة، وأن الضغوط التي تتعرض لها تفرض عليها التعاطي بواقعية. فهي تسعى إلى ترتيب العلاقات مع كل دول الجوار التي تساندها في منع الحرب وإدخال المنطقة في حالة من الفوضى. وهذا لا بد أن يكون له أثمانه السياسية أيضاً، سواء مع الولايات المتحدة الأميركية في طريق السعي إلى الاتفاق، أو مع دول الإقليم التي عانت سابقاً من مشروع إيران ونظرت إليه كتهديد لها، وخصوصاً السعودية. كل هذه المعطيات تفرض “حضور” ملف حلفاء إيران في المنطقة على طاولة المفاوضات، بمعزل عن توقيت التفاوض بشأنه في مرحلة ما بعد الانتهاء من التفاوض على الملف النووي.
حصر السلاح
تلك الدول التي وجه إليها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الشكر على جهودها ومساعيها لمنع الحرب، مع الاستعداد لتطوير مسار العلاقات معها، لديها شروطها الواضحة على مستوى المنطقة، وهي تقوم على مبدأ الحفاظ على وحدة الدول، وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يُقصد به حلفاء إيران، خصوصاً في العراق واليمن ولبنان، إضافة إلى المساهمة التي ستبذلها طهران مع حركة حماس لإقناعها بالتخلي عن السلاح. وهذا أحد الشروط التي تدرجها الولايات المتحدة الأميركية ضمن بنود التفاوض.
رؤية تغييرية شاملة
ضمن هذا السياق، تندرج المتغيرات التي يشهدها الحزب، وهي لا تتعلق فقط بتعيين أشخاص ومسؤولين بدلاً من آخرين، بل تأتي من ضمن رؤية سياسية شاملة وأكثر اتّساعاً، تتعلق بالوصول إلى اتفاق شامل مع الدولة والاندماج بها والانخراط في مشروعها، تماماً كما كان الحال بالنسبة إلى مختلف القوى الحزبية في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، هذا الطائف الذي يُراد لنموذجه أن يتعمم على مستوى المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن، بالإضافة إلى إعادة تثبيته في لبنان.
التغيير الضروري
يقتضي ذلك، إلى جانب الظروف التي تفرض نفسها، إحداث التغييرات التي يشهدها حزب الله، وتتصل بتغليب الجانب السياسي على الجوانب العسكرية والأمنية. صحيح أن كثراً يعتبرون أن الحزب في أساسه تنظيم عسكري وأمني يتعاطى السياسة، وأن السياسة فيه تأتي لخدمة العسكر، لكن الظروف لم تعد مؤاتية لذلك، وأصبحت هناك ضرورة لإحداث التغيير، ولو كان بطيئاً ومتدرجاً. وهو ما يأتي في سياق الرد على كل الرسائل والتهديدات التي تصل إلى الحزب، إما بتلقيه المزيد من الضربات العسكرية أو بالعمل على تفكيك كل بنيته المؤسساتية والسياسية، وليس فقط الاكتفاء بتفكيك البنية العسكرية.
تعويم أدوار وأسماء
من هنا تأتي خطوات إعادة الهيكلة التي يشهدها الحزب. وهي تصب في خانة تعزيز الجانب السياسي على حساب الجانبين العسكري والأمني، مع اعتماد آلية دقيقة جداً في تعيين المسؤولين، خصوصاً أصحاب التجربة الأساسية والذين يتمتعون بتأثير كبير، فيتم تعيينهم في مواقع تنظيمية وتنفيذية تتصل بالإشراف على عملية إعادة الهيكلة. ومن هنا تبرز أدوار الوزير السابق محمد فنيش كمكلف بملف الانتخابات النيابية، ويبرز اسم أحمد مهنا كمسؤول عن العلاقة مع الدولة اللبنانية، ولا سيما مع رئيس الجمهورية ومع الخارج. بينما يتعزز دور النائب محمد رعد على المستوى التنظيمي. فيبدو وكأنه يمارس مهام نائب الأمين العام للحزب، بينما يتولى النائب حسن فضل الله مهام نيابية تصل إلى حد مهام رئيس الكتلة، في مقابل توسيع صلاحيات النائب ابراهيم الموسوي على المستوى الإعلامي والإعلام المركزي.
إلغاء وحدات
من جهة أخرى، فإن إعادة الهيكلة ترتبط بالعمل على تفكيك الوحدات الأمنية والعسكرية وإعادة دمجها.، وهذا ما بدأ مع وحدة الارتباط والتنسيق التي جرى توزيع مهامها على عدد من الأشخاص، ولم تعد وحدة تتسلم الملفات السياسية والأمنية والعلاقة مع الأجهزة والدولة اللبنانية. كما أن إعادة الهيكلة تشمل عدداً من الوحدات الأمنية الأخرى مثل الأمن الوقائي أو وحدة الأمن العسكري المعنية بشؤون التنظيم العسكري للحزب، وكذلك بالنسبة إلى الوحدة المعروفة باسم 910، والتي كانت لديها مهام عسكرية خارجية. فعملياً، يتم العمل على إلغاء كل هذه الوحدات كوحدات مستقلة ودمجها ضمن وحدة تشرف عليها جهة مركزية واحدة.
من جانب آخر، فمنذ فترة لم تعد للجنة الأمنية في حزب الله أو وحدة الارتباط والتنسيق أي مهمة عمل مع الدولة اللبنانية أو أجهزتها. وقد جرى التعميم على الأجهزة الأمنية اللبنانية بعدم التعامل مع تلك الوحدة، كما كان الأمر سابقاً، فيما العلاقة مع الدولة أصبحت من قبل شخصيات ومسؤولين سياسيين في الحزب، كما هو الحال بالنسبة إلى مختلف القوى الحزبية الأخرى.
الحزب يتحوّل: “رموز السياسة” ركيزةٌ للهيكلة والعلاقة بالدولة .










