الاختراق التاريخي في “مؤتمر معراب 3”

لم يكن “مؤتمر معراب 3 – إنقاذًا للبنان” مجرد محطة سياسية عابرة، بل لحظة تأسيسية حدّدت سقف المواجهة ورسمت طريق الحل النهائي. والبيان يمكن وصفه، بلا مبالغة، بالتاريخي والوطني الجامع، لأنه لم يكتفِ بتشخيص الكارثة، بل تجرأ على تسمية أسبابها وطرح مخارجها من دون مواربة ولا تردد.

ثمة قوى لم تحضر، لكنها تؤيد مضمونه ضمنًا، فيما ثمة قوى أخرى لا مكان لها أصلًا في هذه اللحظة التاريخية، لأنها ليست سوى امتداد لمحور متهالك، مهما حاولت التستر خلف مناورات سياسية عقيمة. وفي هذا السياق، لم يكن تفصيلًا أن يتلو البيان صالح المشنوق، بما يمثله من حضور شبابي لبناني يعلن إرادة خوض المواجهة على قاعدة ثوابت لا تقبل المساومة. كما لم يكن تفصيلًا أن يبتعد الخطاب عن التغني بالماضي لينفتح على أفق تغييري غير مسبوق في اللغة السياسية اللبنانية.

لقد بلغ الانهيار حدًا لم يعد معه جائزًا الاكتفاء بالتوصيف أو التنديد. ثمة حاجة إلى محكمة خاصة، وطنية ودولية، تحاسب عصابة “حزب الله” على ما اقترفته بحق الوطن. إنها، في المعنى السياسي والأخلاقي، “نورنبرغ لبنانية” تقيم العدالة وتردّ بعضًا من حق اللبنانيين على الذين أفلتوا من تبعات المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري ورفاقه. ولعل من أكثر الأخطاء كلفة في المرحلة السابقة أن مسألة أحكام تلك المحكمة لم تُحسم كما يجب، فكان ذلك واحدًا من أبواب التهاون التي أوصلتنا إلى الكارثة الراهنة. أما نظريات استيعاب “حزب الله”، فلم تكن في حقيقتها سوى وصفات لفشل مديد، لم تنتج إلا مزيدًا من ابتلاع الدولة والإمساك بمفاصلها.

ومن باب وضع الأمور في نصابها، لا يجوز أن تُلقى أعباء إعادة الإعمار على الدولة اللبنانية أو على دافعي الضرائب من المواطنين. إيران وحدها مطالبة بدفع الثمن، لأنها السبب في صناعة الخراب، وذلك من خلال عقوبات مالية مماثلة لتلك التي فرضت على العراق بعد اجتياح الكويت في التسعينات. كذلك، فإن رحيل قوات “اليونيفيل” في أيلول المقبل يجعل من المطالبة بقوات دولية تحت الفصل السابع لمؤازرة الجيش اللبناني طرحًا لا يندرج في خانة الاستحالة، ولا سيما في ظل واقع إقليمي ودولي جديد قد يفضي إلى انتفاء معارضة روسيا والصين داخل مجلس الأمن.

وحين تُضاف إلى ذلك الدعوة إلى محادثات سلام مع إسرائيل، يتأكد أن مفردات “مؤتمر معراب 3” ومقرراته تشكل قطيعة فعلية مع اللغة التقليدية للبيانات السياسية في لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم. لقد وقع اختراق فكري وحقيقي، وكان لا بد أن يقع، تمهيدًا لاختراق وطني أوسع واجبه التقاط اللحظة التاريخية قبل أن تضيع.

والمفارقة الأشد دلالة أن هذا “اللبنان” لا يزال عصيًّا على الهزيمة. فكلما حاولت عصابة “الحزب” أن تشدّه إلى أقبية العقائد المتحجرة، صعدت به القوى الحية، المتصالحة مع الحداثة ومنطق التاريخ، لتمنع سقوط دوره الحضاري في المنطقة. وبينما كانت الدولة تتثاقل في خطاها، جاء “مؤتمر معراب 3” ليبادر عنها ويساعدها لما فيه مصلحتها في نهاية المطاف.

إن يوم 28 آذار 2026 ليس تاريخًا عابرًا في روزنامة السياسة اللبنانية، بل يوم مجيد في مسار المشروع اللبناني الذي صمد، منذ زمن المتصرفية قبل 165 عامًا، في مواجهة مشاريع الاستتباع المتعاقبة، الفاسدة في مضامينها مهما اختلفت ذرائعها. وما ينبغي إدراكه اليوم أننا ربما نكون أمام فرصة نادرة للخروج من دوامة “الحروب الصغيرة” التي توالت على لبنان منذ القرن التاسع عشر. فصمود قوى “مؤتمر معراب 3” ومن يلتقي معها في الإيمان بلبنان “المشروع” و “الدور”، يضعنا فعلًا على عتبة “الحرب الأخيرة”، لأن المنطقة بأسرها تخوض “الحرب الشاملة”. ومن مفارقات “الحرب الشاملة”، على قسوتها، أنها تفتح الطريق إلى سلام… طويل نسبيًا.

الاختراق التاريخي في “مؤتمر معراب 3” .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...