إشكالية العلاقة بين لبنان وإيران ودبلوماسية نقل الأموال

تقوم إشكالية العلاقة بين لبنان وإيران على مسار غير سيادي بُني منذ البداية خارج منطق الدولة – الدولة، عبر دعم إيران لـ”حزب الله” وتحويله إلى أداة نفوذ إقليمي داخل لبنان. هذا النهج صادَر القرار اللبناني وأضعف مؤسسات الدولة، وجر البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية. التحركات الدبلوماسية الإيرانية الأخيرة، ولا سيما الاتهامات بنقل أموال نقدية عبر حقائب دبلوماسية لتمويل “حزب الله”، كشفت عُمق الأزمة وخرق السيادة اللبنانية. في ظل إصرار طهران على اعتبار الحزب شريكاً استراتيجياً تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام خيارين، إعادة صياغة العلاقة بضمانات دولية واضحة، أو الذهاب نحو القطيعة لحماية سيادتها وكرامتها الوطنية.

لم تعد إشكالية العلاقة بين لبنان وإيران مسألة سياسية قابلة للتأويل أو للنقاش النظري، بل تحولت إلى أزمة سيادية موثقة بالوقائع والأسماء والتواريخ. فالعلاقة التي كان يُفترض أن تكون بين دولتين مستقلتين، تقوم على الاحترام المتبادل والقنوات الرسمية، جرى تفريغها من مضمونها السيادي وتحويلها إلى علاقة غير مستقيمة، تمر عبر حزب مسلح وتُدار بالأمن والمال والحقائب الدبلوماسية.

الأساس الخاطئ لهذه العلاقة واضح، إيران لم تتعامل مع لبنان يوماً كدولة، بل كمسرح نفوذ. دعمت مكوناً داخلياً بعينه، دفعت به ليصبح قوة عسكرية – أمنية تتجاوز الدولة، وتتدخل عبره في شؤون المنطقة، ثم فرضته أمراً واقعاً على اللبنانيين جميعاً. وُضعت هكذا الدولة اللبنانية أمام معادلة عبثية، سيادة منقوصة، وقرار مصادر، وعلاقات خارجية لا تمر عبر مؤسساتها.

التحركات الدبلوماسية الإيرانية الأخيرة أعادت هذه الإشكالية إلى الواجهة بصورة فاضحة. زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت مطلع ديسمبر (كانون الثاني) 2025 لم تكن زيارة بروتوكولية عادية. فوفق تقارير إعلامية أجنبية، أبرزها ما نشرته قناة “إيران إنترناشيونال”، استخدم عراقجي، إلى جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وستة دبلوماسيين آخرين، جوازات سفر دبلوماسية لنقل حقائب تحوي مبالغ نقدية ضخمة مخصصة “لإعادة تأهيل ’حزب الله‘”.

الأخطر أن أحد أبرز الأسماء التي رافقت عراقجي هو محمد إبراهيم طاهريان‌ فرد، الدبلوماسي الإيراني المخضرم الذي كُشف أخيراً عن تورطه في عمليات تهريب أموال. وجوده على متن الطائرة نفسها يفتح الباب أمام شبهات جدية حول نقل الأموال تحت غطاء دبلوماسي، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية. وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل مسٌّ مباشر بهيبة الدولة اللبنانية التي قدمت، في المقابل، كل مظاهر الضيافة الرسمية لوفد أجنبي اختار أن يقابلها بتقويض سيادتها.

القضية لا تتوقف عند اسم واحد. التقرير نفسه يتحدث عن “عملية نقل مئات ملايين الدولارات نقداً” شارك فيها، إلى جانب طاهريان ‌فرد، كل من محمد رضا شيرخدايي وحميد رضا شيرخدايي ورضا ندائي وعباس عسكري، وأمير حمزة شيراني ‌راد. بعض هؤلاء شغل مناصب دبلوماسية رفيعة، وبعضهم ارتبط بشركات واتُّهم بالعمل في غسل الأموال لمصلحة وزارة الخارجية الإيرانية. أي إننا لسنا أمام تصرف فردي أو “سوء تقدير”، بل أمام نمط منظم.

توقيت هذه التسريبات ليس عابراً. فقد تزامنت مع إعلان أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عن قرار الحزب دفع بدل إيواء لثلاثة أشهر للمتضررين من القصف الإسرائيلي. السؤال البديهي الذي يفرض نفسه، من أين يأتي الحزب بهذه الأموال في ظل العقوبات الخانقة؟ الإجابة، وإن حاولت طهران نفيها، باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

الوقائع الميدانية تدعم هذه الشبهات. فخلال الثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي، اضطر عراقجي إلى إعادة أربع حقائب يد إلى الطائرة داخل مطار بيروت، بعد رفضه إخضاعها للتفتيش. الوفد الأمني المرافق تمسك بالحجة المعهودة “حقائب تخص السفارة الإيرانية”. وعلى رغم إخضاعها للكشف الإشعاعي، أصر الجانب الإيراني على عدم فتحها، من دون توضيح ماهية محتوياتها. أية دولة ذات سيادة كانت ستعد هذا السلوك استفزازاً مباشراً، لا حادثة بروتوكولية عابرة.

هذه ليست المرة الأولى. لبنان سبق أن مَنع، خلال مراحل سابقة، دخول حقائب دبلوماسية إيرانية بعد الاشتباه باحتوائها على أموال. وفي كل مرة، كان التبرير جاهزاً، وكان الصمت الرسمي اللبناني هو العنوان. الصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤ على السيادة.

الأخطر من المال هو البعد الأمني. التجارب السابقة، وصولاً إلى وقائع موثقة، أثبتت أن السفير الإيراني لدى لبنان لا يؤدي دوراً دبلوماسياً تقليدياً، بل يتحرك ضمن منظومة أمنية مرتبطة بالحرس الثوري. لا توجد دولة محترمة في العالم تقبل بأن يكون سفير أجنبي جزءاً من شبكة أمنية على أراضيها. هذا وحده كافٍ لاعتبار العلاقة برمتها مأزومة.

من هنا تصبح الأسئلة وجودية، كيف يمكن لدولة عاجزة عن الدفاع عن كرامتها الوطنية أن تطالب المجتمع الدولي بالتعامل معها بجدية؟ كيف يمكن لحكومة تتغاضى عن انتهاك سيادتها أن تطلب دعماً أو ثقة؟ لبنان كان وسيبقى بلداً منفتحاً، لكن الانفتاح لا يعني الاستباحة، والضيافة لا تعني القبول بالإذلال.

الدولة اللبنانية اليوم أمام مفترق حاسم، إما إعادة صياغة العلاقة مع إيران من الصفر، على قاعدة دولة – دولة، عبر مفاوضات برعاية وضمانات دولية كما طُرح رسمياً، وإما الذهاب إلى خيار أكثر جذرية على غرار ما فعلته سوريا في عهدها الجديد، قطع العلاقة بالكامل. ما لم يحدث ذلك، ستبقى هذه “الدبلوماسية” غطاءً لنقل الأموال وتكريس الهيمنة، وتقويض ما تبقى من الدولة.

في الخلاصة، المشكلة ليست مع إيران كدولة، بل مع إيران التي تصر على التعامل مع لبنان كساحة، ومع “حزب الله” كشريك استراتيجي. في ظل هذا الإصرار، لا دولة ولا سيادة ولا علاقات دبلوماسية طبيعية. وما لم تُحسم هذه الإشكالية، فإن القطيعة لن تكون خياراً سياسياً، بل نتيجة حتمية.

إشكالية العلاقة بين لبنان وإيران ودبلوماسية نقل الأموال .

Search
Latest News
Loading

Signing-in 3 seconds...

Signing-up 3 seconds...