الحلّ لا يكمن في دعوات أخلاقية إلى “تحمّل المسؤولية” من دون توفير مقوّماتها، ولا في استخدام حقوق الناس كورقة ضغط في مواجهة السلطة التنفيذية، بل يتطلّب خطة إنقاذ جدّية لمرفق العدالة، تبدأ بإعادة الاعتبار لأوضاع العاملين فيه، توازيها إجراءات عاجلة لتسريع البتّ بالملفات الأكثر إلحاحًا، لا سيما ملفات الموقوفين.
لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان أزمة أرقام وانهيار عملة فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة مؤسّسات تضرب في صميم الدولة، وفي مقدّمتها منظومة العدالة. فإضراب المساعدين القضائيين الذي عُلّق مؤقتًا، وقبله إعلان نادي القضاة عن توقف تحذيري ليوم واحد عن العمل، ليسا حدثَيْن عابرَيْن، بل مؤشران خطيران إلى هشاشة العدالة في زمن الانهيار.
القضاة والمساعدون القضائيون ليسوا خارج المشهد العام للانهيار. رواتبهم فقدت قيمتها الفعلية، وقدرتهم على تأمين الحدّ الأدنى من الاستقرار المعيشي والصحي والاجتماعي تراجعت إلى مستوى القهر، وجعلت أكثرهم من أصحاب العوز. في المقابل، يحمّلهم الناس مسؤولية استمرار مرفق العدالة، وكأنهم يعملون في فراغ اقتصادي لا يمسّهم.
من هنا، يأتي تحركهم المطلبي مشروعًا من حيث المبدأ، غير أنه لا يمكن مطالبة قاضٍ أو مساعد قضائي بأداء دوره باستقلالية وفعالية فيما هو يرزح تحت ضغط معيشي خانق يهدّد كرامته وأمنه الاجتماعي.
ثمّة وجهٌ آخر للصورة لا يقلّ صعوبة، فتعليق الجلسات وتأجيل المحاكمات ينعكس مباشرةً على آلاف المتقاضين، وفي طليعتهم الموقوفون الذين ينتظرون منذ أشهر وأحيانًا سنوات، البَتَّ بملفاتهم. في بلدٍ تعاني سجونه اكتظاظًا هائلًا وظروفًا إنسانيةً قاسيةً، يُصبح أي تعطيل إضافي عاملًا مضاعفًا للمعاناة. فالتوقيف الاحتياطي الذي يفترض أن يكون إجراءً استثنائيًا، يتحوّل عمليًّا إلى عقوبة مسبقة حين تتعطّل المحاكم وتتراكم الملفات.
المعضلة هنا ليست صراعًا بين حقَّيْن متناقضَيْن، بل بين حقَّيْن متلازمَيْن، الأول: حقّ العاملين في الجسم القضائي في حياة كريمة، والثاني: حقّ المواطنين في عدالة سريعة وفعّالة. وأي مقاربة تضع أحدهما في مواجهة الآخر تختزل الأزمة وتُبقيها في إطار سجال ظرفي، بدل مقاربتها كأزمة بنيوية تتطلّب معالجةً شاملةً.
العدالة ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى حين تحسّن الظروف الاقتصادية، بل هي ركيزة الاستقرار الاجتماعي والأمني. كلّ تأخير في إصدار الأحكام، وكلّ ملفّ يتراكم فوق آخر، يُراكم معه شعورًا بالظلم وفقدان الثقة بالدولة. ومع تراجع الثقة، تتسع الهوة بين المواطن والمؤسّسات، ما يفتح الباب أمام أشكالٍ بديلةٍ عن العدالة خارج إطار القانون، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في حالة هشاشة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أنّ قضاءً منهكًا مادّيًا ومعنويًا واجتماعيًا، لن يكون قادرًا على أداء رسالته. فقد دفعت الأزمة بقضاة إلى الاستقالة وحملت آخرين على البحث عن فرص خارجية، فيما يعيش مَن تبقّى منهم ضغوطًا متزايدةً، ماديةً ومعنويةً. كما أنّ تعطيل المساعدين القضائيين، وهم العمود الفقري الإداري للمحاكم، يشلّ العمل اليومي ويجعل أي إرادة للإنتاج القضائي غير قابلة للتنفيذ.
الحلّ لا يكمن في دعوات أخلاقية إلى “تحمّل المسؤولية” من دون توفير مقوّماتها، ولا في استخدام حقوق الناس كورقة ضغط في مواجهة السلطة التنفيذية. بل يتطلّب خطة إنقاذ جدّية لمرفق العدالة، تبدأ بإعادة الاعتبار لأوضاع العاملين فيه، توازيها إجراءات عاجلة لتسريع البتّ بالملفات الأكثر إلحاحًا، لا سيما ملفات الموقوفين، عبر جلسات استثنائية أو آليات إجرائية تخفّف من الاكتظاظ القضائي.
إنّ تعليق الإضراب مؤقتًا والتوقّف التحذيري ليوم واحد يُشكّلان فرصةً لالتقاط الأنفاس، لا محطة عابرة في مسار التعطيل. فالعدالة إذا انهارت لن يصيب شللها القضاة وحدهم، بل سيطال المجتمع بأسره، وما بين حقّ القضاة والمساعدين في حياة كريمة، وحقّ الناس في عدالة ناجزة، لا بدّ من معادلة تنقذ الاثنين معًا، لأن سقوط أحدهما يعني حتمًا سقوط الآخر.
أزمة العدالة… بين حقّ القضاة والمتقاضين! .










